أحمد بناصر الدرعي

في سياق التعريف ببعض علماء البادية المغربية، وسعيا إلى إبراز إسهام المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى في بناء التاريخ العلمي والحضاري للمغرب، آثرت في هذه الحلقة أن أعود إلى زاوية تامكروت المباركة للوقوف على شخصية رائد من رواد العلم والصلاح مغربا ومشرقا، يتعلق الأمر بالإمام الفاضل سيدي أحمد بناصر الدرعي..

 
 
البادية المغربية
الشيخ محمد المامي (1282 ه) و كتابه البادية



نتناول اليوم علم من أعلام الغرب الإسلامي، اشتهر بصلاحه، وعلمه، وتجديده، وعبقريته، حيث تميز بنظريته الاجتهادية الواقعية، فقد كان يعيش في مجتمع بدوي له ظروفه الخاصة، ونوازله المعقدة التي لم يفت فيها الفقهاء الحضريون، بل لم يكونوا مؤهلين للفتوى فيها بسبب بعدهم عن ظروفها وملابساتها الخاصة، ما أدى بالشيخ إلى بناء نسق اجتهادي متكامل للفتوى في النوازل البدوية، استقاه من النصوص والمقاصد الشرعية، واعتمد فيه مبدأ التيسير والتسهيل.

سنحاول من خلال هذا البحث إعطاء نبذة عن حياة المؤلف، ثم عرض وتعريف لكتاب البادية أثبت فيه أسباب تأليف الكتاب، وبيان موضوعه وأهميته، ومنهج المؤلف فيه وأسلوبه، ومصادره، وأخيرا ذكر بعض اجتهادات الشيخ محمد المامي.

  واعتمدت في دراسة الكتاب على طبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، بتصحيح اللجنة العلمية لزاوية الشيخ محمد المامي، نواكشوط. فأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا المقال كاتبه والقارئ فيه، إنه ولي ذلك سبحانه.

أولا: نبذة عن حياة الشيخ محمد المامي بن البخاري

الشيخ الجليل أبو عبد الله محمد المامي بن البخاري بن حبيب الله بن بارك الله فيه ابن أحمد أبي زيد بن يعقوب بن أبي يعلى (أبيال) بن عامر أبي يعلى (أبيال) بن أبي هندام (أبهنضام) ابن محمد بن يعقوب ابن سام بن عبد الله بن عمر بن حسان، ويرتقي نسبه إلى عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما(1).

وقد سمي باسم عبد القادر المامي (ت1207هـ) وهو أحد أئمة مملكة فوتة الإسلامية في السينغال يومئذ، و المامي تحريف لــ«الإمام»، كما يقول الشيخ في نظم وسيلة السعادة  لنيل الحسنى مع الزيادة:

قـــال محمد الفقيــــــــــر للــه


بن البخاري بن حبيــب اللــــه

سمي والي بوصيــاب المامي


صاحب الاستهــداف بالأنظام(2)

ولد الشيخ محمد المامي بالجانب الجنوبي الشرقي من «أشقيق صدرة العظام»، وهو موضع بشمالي «تيرس»، قرب «دومس»، وقد اختلف في سنة ولادته، فذهب الشيخ محمذن بن محمد الأمين الألفغي إلى أنه ولد سنة (1202هـ)، بقوله:

ومولد الشيخ محمد المامي


«بشر» من الهجرة للأنام

وتم نظمه خليلا عام "«لو»


وموته في عام «بفرش» حكوا

وذكر الشيخ محمد الخضر بن حبيب الباركي أنه ولد سنة (1206هـ)، بقوله:

محمد المامي لـ«ورش» نجلا


وعاش «عبدا» ومضى لا عن قِلا

وقيل أيضا أنه ولد سنة (1204هـ) (3).

لم تذكر المصادر شيئا عن نشأته، إلا أنه في الغالب نشأ وترعرع في بيت علم، وفضل، ودين، وصلاح، فوالده البخاري كان رجلا صالحا، صاحب كرامات، وقد عرف جد القبيلة ـ الذي تتسمى باسمه وهو بارك الله ـ  بالصلاح والاستقامة، أما خاله سيدي عبد الله بن الفاضل الذي ترعرع في حضنه وكان له نصيب الأسد في كفالته العلمية، فكان أحد أشهر علماء وزعماء القطر آنذاك ، وهو الشيخ الشنقيطي الوحيد الذي مارس القضاء لعدة سنوات في مصر. فقد عرف هذا الوسط باهتماماته الثقافية ، وكانت لديهم مكتبات تحوي كتبا نادرة؛ وذلك لاتصالهم بسلاطين المغرب، وقد بعث السلطان لكل فخذ من أبناء بارك الله صندوقا مملوءا بالكتب(4).

أما أم الشيخ محمد المامي فهي مريم بنت محمود بن عبد الله بن بارك الله فيه(5).

بين أحضان تلك الأسرة العلمية تربَّى محمد المامي، وتعلّم، وتكوّن، إلى أن قَوِي عوده، واشتدّ ساعده، فدرس القرآن أو بعضه في صباه على بعض شيوخ قبيلته «أهل بارك الله» ـ التي تنتمي إلى قبيلة يعقوب، إحدى القبائل الخمس المكونة لحلف «تاشمشة»، وهي من قبائل الزوايا المشهورة بالعلم والحلم والصلاح والجود والإنفاق في سبيل الله والعز والثروة(6) ـ، وطاف شمال بلاد شنقيط وغربها وجنوبها، ورحل لعلماء الترارزة لمشافهتهم وأخذ العلم منهم، وثني الركب في مجالسهم، حيث أقام هناك فترة وجيزة، ليلقى عصى الترحال في منطقة (توضباي) الفوتية، وهي ما يعرف الآن بـ«كوركل»، ثم عبر النهر إلى السينغال وتجول في أنحاء إفريقية السمراء بحثا عن الكتب واتصل وقتها بأمراء النهر، الذين كانوا يجلون العلماء ويحكمون بالعدل، ويأنفون عن الظلم، ومن أبرز العلماء والفقهاء الذين لقيهم الشيخ وأخذ عنهم: الشيخ أحمد البشير القلاوي (ت1277م)، الشيخ أوفي الشمشوي (ت1300هـ)، والشيخ سيدي المختار الكنتي الصغير (ت1263هـ)، والشيخ محنض باب بن اعبيد الديماني (ت1277هـ)، والشيخ محمد فاضل القلقمي (ت1286هـ)، وغيرهم من أساطين العلم، وحملة الرسالة، ودعاة الفضيلة من ذلك الصقع الذي عاش فيه الشيخ رحمه الله(7).

هذا هو الترتيب الذي سطرته المصادر لرحلته العلمية، ثم عاد إلى منطقة الساحل، واتخذها موطنا، وأقام بها زاويته العلمية واشتغل بالتدريس إلى أن توفي.

وأخذ عن الشيخ محمد المامي جـماعة من العلماء، وقد كان لاستقراره بعد رحلته في مناطق مختلفة من إفريقية الأثر البالغ في تلقين ما اكتسبه في الرحلة وقبلها، ومن أشهر من تشرف بالتتلمذ عليه:

ـ أبناؤه: البخاري، وسيد آمين، وصلاحي، وعبد العزيز، وآفلواط، وعبد الله، ومحمد الحافظ، ومحمد الأمين، والصوفي، وحمدي.

ويقول فيهم العلامة سيدي أحمد بن اسمه أحمد الديماني: «وقد اقتفى أولاده وأحفاده أثره في كثرة العلوم، وصحة الفهوم، والسخاء بالحطام، وظهور الخوارق العظام، وقلت مخاطبا:

إما يكن لكم الشيخ الإمام أبا


فمثله لائق بكم من آباء

أو كنتم أنتم له بنين فقد


يليق مثلكم به من أبناء

ـ الشيخ أحمد يعقوب بن محمد بن ابن اعمر الباركي (ت1303هـ).

ـ الشيخ محنض احمد بن حبيب الباركي.

ـ الشيخ المختار بن البرناوي الباركي.

ـ الشيخ احمد بن عبد الله بن عبد الدائم الباركي.

ـ الشيخ محمد الامين بن امين المختاري اليعقوبي.

ـ الشيخ عبد الله العتيق بن حمى الله اليعقوبي.

ـ الشيخ عبد الله العتيق بن عبد الوهاب اليعقوبي.

ـ الشيخ محمذن (ابُّو) بن محمد الأمين الألفغي.

ـ الشيخ سيد أحمد (المعروف بالجكاني بن الشيخ بن الإمام البوحمدي المجلسي.

ـ الشيخ عبد الله بن عبد الدائم التاقاطي.

ـ الشيخ عبد القادر بن المعلوم الكنتي(8).

أما عن الوضع العائلي للشيخ محمد المامي فأعقب من الذكور: البخاري، وسيد آمين، وصلاحي، وعبد العزيز، وعلي، وآفلواط، وعبد الله، ومحمد الحافظ، ومحمد الأمين، والصوفي، وحمدي، ومن البنات: فاطمة، وسارة، وأم المؤمنين، وزينب، وعائشة، ومريم، وميمونة، وقد اشتهروا بالعلم والصلاح والسيادة، واشتهر بعضهم إلى جانب ذلك بالشعر، يقول فيهم العلامة محمد الخضر بن حبيب:

ولكن عدا عن ذاك برح تشببي


بذكر أولي الأحلام والحسب العد

سلالة شيخ الدين خير سلالة


كرام المساعي غرة الشيب والمرد(9)

وقد اشتهر هذا الشيخ الجليل بغزارة الإنتاج ووفرته، وألف العديد من المؤلفات في شتى العلوم والفنون، حتى قال فيه العلامة محمد الخضر بن حبيب الباركي (ت1345هـ): «ما علمت في الأمة أكثر من ظم الناظم تصانيفا؛ فهو أعجوبة دهره ولو سراج الدين بن الملقن أو السيوطي في ما رأى، ومن ذلك أشعاره عربية وبربرية، ...لكن تصانيفه لم يحفظ عشر عشير معشارها ـ بتكرير إضافة ـ ولا غاية، فاستطلع! وذلك لثلاث: لجهل البداة وجفائهم، كما في الحديث وغيره، ولعموم داء الحسد...، وللزهد اليوم في العلم»(10).

وقال أيضا: «وحكى لي من يوثق به أنه قال له: «ألفت في القرآن مائة مؤلف ولم يسألني أحد عن مسألة منها قط»»(11).

ومن أشهر كتبه: «رد الضوال والهمل إلى الكروع في حياض العمل»، و«كتاب البادية»، و«الجمان»، و«الدلفين وشرحها»، و«الميزابية وشرحها»، و«نظم مختصر الخليل»، و«سفينة النجاة»، و«صداق القواعد»، و«كتاب الإجماعيات»، و«الدولاب في المذاهب الأربعة والأربعين»، و«إدخالات البحر في الغدير»، و«وسيلة السعادة»(12) وغيرها من المؤلفات العديدة والمتنوعة.

وله رسائل إخوانية تكشف عن تمكن من ناصية الإبداع في النثر، ومنظومات وأراجيز وتعليقات كثيرة جدا، يبالغ أحيانا في أرقامها، حتى قيل أنه ألف في الأصول مائة رسالة، وقد تنوعت موضوعات هذه المؤلفات لتشمل النحو والصرف وعلوم اللغة والسيرة والتاريخ وعلوم الهيئة، وكان بعضها جديدا نماما على بيئته، كما كان بعضها جديدا تماما على بيئته، كما كان بعضها طريفة غريبة منها: «رسالة التربيع»، طرق في شعره مختلف الموضوعات التقليدية، وزاد عليها أغراضًا جديدة تنتمي لروح عصره وقضاياه، مثل النزعة الإصلاحية، والدعوة إلى تنصيب الإمام، وغيرها، ويمتاز 
شعره بالرصانة وجودة السبك، وقد يلغز ليدخل مع قارئه في مباراة لكشف قناع المعنى وتفسير رموزه(13)، وبعد الاستعارات والتشبيهات، وكثرة التلميحات العلمية والأدبية والتاريخية، وكان كثير الاستسقاء، وقد التزم أن يمدح النبي ﷺ بقصيدة كل سنة(14).

تمكن الشيخ محمد المامي من خلال رحلاته العلمية في مختلف مناطق إفريقية من امتلاك ناصية العلم بمختلف فروعه، واكتساب مكانة خاصة عند شيوخه وأقرانه، وذاع صيته، وأقر له القاصي والداني ببلوغ درجة الاجتهاد(15)، هذا إلى ما عرف به من الصلاح، والنسك، وإجابة الدعوة، ووفرة الكرامات.

وقد كان الشيخ يتحلى بأخلاق فاضلة، وعقل راجح، وتظهر مكانة الرجل في وصف العلامة محمد الخضر بن حبيب الباركي له بقوله: «فهو أعجوبة دهره»(16).

وقال فيه الولي العلامة الشيخ أحمد بنبه البكي: «هو رجل تجلى الله عليه بالعلم»(17).

ويقول العلامة محمد الخضر بن حبيب في وصف الشيخ محمد المامي: «مشهور كشف وكرامات، (..)، يقول بعض أهل عصره: «إنه موقف عقل» وبعض: «لا مامي بعده»، على يديه كثيرا يَكْثُرُ موجود، ويَعْذُبُ مالح، ويَتَتَمَّرُ نحو دباغ، وانتفع به كثير وبعضه بلا كتابة (..) يداعب تلاميذه، ويتوسل بهم وبهممهم وكدهم وأفعالهم وبآبائهم، فائق في كل علوم الشرع وخصوصا الشرعية الثلاثة، ما من فن إلا وله فيه تصانيف نثرا ونظما عربيا وغيره، صنف في أصول الفقه واحدا ومائة (..)، بارع في الشعر بنوعيه، ولم أر أكثر منه استسقاء بهما (..)، وكان أي (ظم) ـ يعني: الناظم، الشيخ محمد المامي ـ يمدحه ﷺكل عام بقصيدة يسميها «حمراء العرقوب»، وأشعاره في علم الحقيقة لا تحصر، كتآليفه فيها (..) وأخبرني الثقات أنه أعقل أهل زمانه، وأنه جميل صورة، زاهد لاسيما في ما بأيدي الملوك، كريم الخلق، مُدَارٍ للناس، منصف ذو مروءة، مِنْحَارٌ وأنه ينحر كل ليلة جمعة، كثير ضيف ومواساة»(18).

أما بخصوص مذهبه وطريقته فقد عرفت بلاد الصحراء وشنقيط طرقا صوفية كثيرة، ولكن وسط الشيخ عرف طريقتين هما: الشاذلية والقادرية، وهذه الأخيرة هي التي كان عليها أخوه عبد العزيز وكان عليها الشيخ نفسه(19)، وصرح ـ رحمه الله ـ أنه أشعري الاعتقاد، مالكي المذهب، قادري الطريقة، في أول نظمه لمختصر خليل، قائلا:

مُحَمَّدُ الَّذِي لَهُ الْمَامِي عَلَمْ


ابْنُ الْبُخَارِي بَيْنَ ضَالٍ وَسَلَمْ

الأَشْعَرِيُّ الْمَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ


الْمَغْرِبِيُّ الْبَارَكِيُّ النَّسَبِ

ومن آثار الشيخ محمد المامي التي بقيت خالدة زاويته العلمية الصوفية، التي ظلت منارة في الصحراء، تعلم الجاهل، وترشد المستفتي، وتؤمن الخائف، وتطعم الجائع، وتغني الفقير، وتقضي وتصلح بين المتنازعين، وقام بها بعده أبناؤه إلى اليوم والحمد لله رب العالمين، وقد شهد العلماء والشعراء بدورها الكبير في المنطقة، ومن ذلك ما قاله فيها العلامة الشيخ محمد المصطفى بن تكرور الموسوي اليعقوبي:

وزاوية عن زوارها ينجلي الفقر


وشيدها العلم المورث والنصر

وأبرق فيها مزن علم جرت به


من الشيخ أنهار يواصلها بحر

وتسمع ضوضاء الحجيج أمامها


ويطربك الترتيل والدرس والذكر(20)

توفي الشيخ الجليل سنة 1282هـ، ودفن بجبل «أيك» بإقليم مدينة الداخلة جنوب المغرب وقبره مشهور يزار(21)،  رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

ثانيا: التعريف بكتاب البادية

يعتبر الكتاب قيدَ التعريف من نوادر ما أُلِّفَ في نوازل أهل البادية ببلاد شنقيط، بل قد لا أكون مخطئةً إن جزمتُ أنَّ الموضوع لم يُطرق من قَبلُ بمثل الشكل الذي طرقه العلامة محمد المامي ـ رحمه الله ـ، لا من حيث المنهج ولا من حيث المضمون. وقد وُفِّق ـ رحمه الله ـ إلى حدٍّ بعيد في جمعه وتدوينه لمسائل أهل البادية وعوائدهم وضروراتهم ونوازلهم الخاصة بهم المسكوت عنها في الكتب الحضرية، فمن خلال كتابه هذا يصور لنا حالة المجتمع الشنقيطي في القرن الثالث عشر الهجري أو على الأقل حالة الشمال الغربي من هذا المجتمع، جغرافيا وتاريخا ثقافيا واجتماعيا وسياسيا.

وأسعى من خلال هذه البحث إلى دراسة الكتاب دراسة علمية تستوفي معظم جوانب الكتاب، من بيان لأسباب تأليفه، وبيان موضوعه وأهميته، ومنهج المؤلف وأسلوبه، ومصادره، مع ذكر بعض اجتهادات الشيخ محمد المامي.

تتجلى أسباب تأليف الشيخ لـ«كتاب البادية» في الآتي:

أولا: أزمة الفقه النوازلي البدوي.

سكوت العلماء السلف عن الإفتاء في نوازل أهل البادية، فـ«لما شاع في علمائنا من لدن مسكة وابن محم أن جل مسائل أهل البادية الخاصة بهم غير متكلم فيها، وغير مصنف فيها، أي لم تدون ولم تجمع، فقام تفريقها في الكتب ـ الذي صار سببا لجهلها ـ مقام العدم، الذي منه تفرق الأجزاء...؛ لأن التصانيف مدنية، وإنما تكلم أهلها غالبا على مسائلهم الخاصة، أو على المسائل الجامعة بيننا وبينهم، و سكتوا عن غالب المسائل الخاصة بأهل البادية؛ إما لعدم تصورها عندهم، وإما لحرمة الكلام عليهم في عرف غير عرف بلدهم، ومسائل الأعراف كثيرة، ولم يستغن بلد معمور عن عالم منهم يتكلم على عرفهم، وإن لم يفرده بالتصنيف، فإنا لو سألناهم عن مسائلنا لوجب عليهم أن يسألونا عن عرفنا، وإما لعدم المبالاة بهم، لأن التمدن عندهم واجب، والتبدي منهي عنه»(22)، «وأحكام أهل البادية الخاصة بهم مسكوت عنها في الكتب(23) الحضرية، وقد «خص أهل البادية بأحكام تترتب على مصالحهم»(24) في قصيدته بقوله:

وإن للبدو أحكاما تخصهم


مثل الألاء بها خص البساتين

ونجل شعبان واليوسي قد سكتا


عن أول سكتت المدايين(25)

«وهو أحكام البادية الخاصة بها، وهما من أهل بادية. وحملنا ذلك على تأليف كتاب البادية».

وقد تعمق الشعور بهذه الأزمة في عصر المؤلف آنذاك، حتى خاطبه العلامة محنض باب بن عبيد الديماني قائلا: «أدرك الفقه فإنه خرج من الأيدي»، قالها بعد تدبره لنظم خليل»(26).

ثانيا: منع العلماء النظر في النوازل على معاصريهم

سد العلماء باب الاجتهاد على فقهاء البادية، وذهبوا إلى أنه «يمنع الكلام في نوازلنا على أمثل المقلدين»(27) بحجة أن الإفتاء خاص بالمجتهد وهو مفقود في ذلك العصر؛ بل ذهبوا إلى أن المقلد مفقود أيضا ولا يوجد إلا جاهل في رأيهم، بقوله:

بقينا وعصر الاجتهادات قد مضى


فما الرأي إن لم يفت فينا مقلد؟!(28)

وهو ما جعل الشيخ يستنكر عليهم ذلك بقوله: «فحاشى الذي أنزل في كتابه: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾(29)، ورحم أصحاب الأعراف لما كانوا في رحمته يطمعون، من أن يجمع علينا أهل القرن الثالث عشر حَرَجَيْن: يُخْلي عصرنا من المجتهدين، ويمنع الكلام في نوازلنا على أمثل المقلدين...، وقد منع النظر في النوازل معاصرون لا تمر بهم سبعة أيام إلا اجتهدوا في نازلة، ويردون دعوى من التمس لهم السلامة باطلة، ومن حلية القبول عاطلة، بل يمزقونه كتمزيق خُبيب، الذي هو على الحق لا ريب، فكان الأحظى له أن يصلي ركعتيه، وينشد بيتيه، كما أن الأحظى لهؤلاء المنكرين للنظر إذا عرضت لأحدهم نازلة لم يتكلم فيها المتقدمون أن يتوارى من القوم من سوء ما بشر به المتكلمون، ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾(30)»(31).

ثالثا: علماء الوقت بين حيزين:

حيز أصولي ينحو نحو الاجتهاد ولم يدعه ولم يدع له، ويذم التقليد ولم يغن عنه غيره، بل لم يستغن هو عنه، وحيز ينحو نحو الفقه ويقول: «نحن خليليون» ولم يبلغوا مقاصده، ولا يكاد أحد الحيزين يجمع مسائل الفقه المستبحرة، ومسائل الأصول المبيحة، وكلاهما يطعن في الآخر، ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾(32)»(33).

ثم بين ـ رحمه الله ـ التنازع والخصام بين الطرفين بقوله: «فأهل الأصول منهم يذمون الفقهاء بجهل كثير من مسائل الأصول، يزري بالفاضل جهله ،فضلا عن المفتي، والمقتصرون على الفقه يذمونهم بعدم استحضارهم لكثير من مسائل الفقه هم أدرى به وأحفظ، ويزري بالفاضل جهله أيضا، فهؤلاء أغزر نقلا، و أنزر عقلا، وهؤلاء بالعكس، وتراهم يذمون الفقهاء بالجمود على النصوص من غير ملاحظة القواعد والعوائد والمصالح، ويحرمون عليهم تلك الملاحظة، ومن لاحظ العرف منهم أثموه بذلك لأنه مقلد، وهم غير مدعين للاجتهاد بأقسامه الثلاثة، ولو ادعوه لم يسلم لإقرارهم بخلو العصر منه، فمنعوا التخريج، وعمموا التحريج»(34)، «فقد فرض بعض علمائنا هذه وأمثالها في العين خاصة، ووقف حماره في أرض لا عين فيها جمودا منه على النص، والجمود على النص من غير ملاحظة القواعد ضلال وإضلال»(35).

وفي وسط هذه الانتقادات المتبادلة بين الطرفين بادر الشيخ محمد المامي إلى الجمع بين العقل والنقل في تخريج الأحكام، امتثالا للآية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ»(36)، والعدل الأمور المتوسطة بين طرفي الإفراط والتفريط (37). ثم قال: «أما غزارة فروع الفقهاء مع قطع النظر عن النظر في ما ينظر فيه من التخريج والترجيح والعرف، وغير ذلك فقصور، وأما ذم أصوليي زماننا لهؤلاء الفقهاء وطرحهم ورفض حكمهم، وجعلهم سخرية مع عدم ادعائهم للإغناء عنهم في النوازل فليس بمنصور، أما احتجاج الفقهاء على رفض كلام أهل الأصول بجهلهم لبعض الفروع فغير قادح؛ لأن الأصول من الفنون التي لا يذوقها عصب لسان الفهم إلا بالمتممات والتفنن، وصاحب الفن لا يبلغ درجة صاحب الفن الواحد فيه، ولكنها مزية لا تقتضي التفضيل»(38).

رابعا: الضرورات الشديدة المتحققة التي تطبع حياة البدو

قال الشيخ: «وما أجاءني إلى جذع نخلة هذا العلم الغريب إلا مخاض ضرورات البادية وعوائدهم، وهم يصدق عليهم أنهم قطر من المسلمين ولهم ضرورات وعوائد، والضرورات والعوائد مما تبنى عليه الأحكام»(39)، «فمن ذلك ضروراتهم المتحققة، والضرورة لو لم تبح المحظور لرجحت المرجوح، كما يرجح المرجوح جلب المصلحة ودرء المفسدة مع تقديم هذا عليه إذا تعارضا، لكن هذا الترجيح مما لا يجوز لنا أيها المقلدين خلاف فيه»(40). «وقد سكتوا عن ضرائر أهل البادية الخاصة بهم، مع أن أهل البادية ينبغي أن يتنوع حكمهم لتنوعهم وتنوع عرفهم»(41).

خامسا: سيطرة العادات التي لم ينص عليها أو التي لا توافق المشهور والراجح

«هذا مع أنا وجدناهم لا يتزحزحون عن ما اعتادوه من مسائلهم، فتقربنا إلى الله بإخبارهم أن لهم فيه شبهة لحديث أبي موسى ومعاذ: «يسرا ولا تعسرا بشرا ولا تنفرا»»(42)، «وعندي أنهم لو ضيق عليهم لاقتحموا النهي بلا شبهة»(43)، ومن أمثلتها تلك العادات «التي تعم الناس كثقب الأذنين للأخراص»(44).

وبخصوص تاريخ تأليف الكتاب، فلا يمكن الجزم بتاريخ محدد في ظل القصور الحاصل في المصادر، لكن هناك معطيات أقرب ما تكون إلى الدقة يمكن الاستئناس بها لتحديد تاريخ تقريبي، وهي: أن الكتاب ألفه بعد نظمه لمختصر خليل، لقوله: «ومن ما حملني على هذا المجموع كلمة محنض بابه لي: «أدرك الفقه فإنه خرج من الأيدي»، قالها بعد تدبره لنظم خليل»، وقد أتم المؤلف نظم خليل سنة 1236هـ، وغالب الظن أنه ألفه في أواسط القرن الثالث عشر الهجري.

وقد أطلق المؤلف على الكتاب أسماء متنوعة، وأشهرها:

ـ كتاب البادية: كما يسميه في شرحه للدلفين مثلا: «وحملنا ذلك على تأليف كتاب البادية»(45).

ـ التلميات: كما يسميه في رد الضوال مثلا: «هذه حاشية وضعتها على طرد الضوال الأرفع، مقدمة للتلميات الأربع»(46)، وسماه المؤلف بهذا الاسم لأنه يتألف من أربعة أقسام كل قسم منها يبدأ بقوله: «ولما ...» (47).

ـ صوف الكلاب: كما يقول: «ومن أجل افتقار العامة لهذا الموضوع الهلهل النسج سميته بـ«صوف الكلاب»، قال:

بني كثير يعلم علما؟!


لقد أعوز الصوف من جز كلبه»(48)

وقد أخذ هذا الاسم من المثل: «احتاج إلى الصوف من جز كلبه»، وهو مثل يضرب في شدة الضرورة التي تلجئ الإنسان إلى استعمال ما لم يكن يحتاج إليه في الظروف العادية، يعني تواضعا أن الناس لو وجدوا نصوصا أو مجتهدين لما احتاجوا إلى هذا الكتاب ولو وجد هو نصوصا أو مجتهدين لما اضطر إلى تأليفه(49).

وتكمن أهمية الكتاب من عدة نواحي، أبرزها:

ـ أنه أول كتاب أفرد ليعالج فقه البادية، كما يقول في قصيدته التي يجيب بها الإمام العلامة الحاج عمر الفوتي التيجاني، بعد أن مدح الشيخ محمد المامي الحاج عمر وأثنى عليه وزكى مشروعه الجهادي الإصلاحي:

وأحكام باد غير أحكام حاضر


فذكر الضعيف والشهير تسامح

وأهل البوادي لم يولف عليهم


مسائل قبل التلميات كواشح

فيعذر ما قصرت فيها لأنني


كواضع فن عنه ذو اللب صافح

على أن ما سلمتم من نصوصه


يسلم وما يطرح له أنا طارح(50)

ـ أن المؤلف جعله على رأس أعماله العلمية، وجعله طليعة منجزاته في مجال الاجتهاد بقوله:

سلام على القرن الألى خذلوني


وناطحت عنهم ماضيات قرون

بتأديتي فرض اجتهاد عليهم


وفتحي لأبواب له حصون

إلى أن يقول:

وبالتلميات اللمي أول مرتع


لرواد بدو نافرت لسكون(51)

ـ أن الكتاب متفرد ومتميز لا يضارعه إلا كتاب الشعراني في أحكام الجان، كما يقول الشيخ في وصف كتابه هذا: «هو من مواضع الفتوى، وليس له نظير إلا كتاب «أحكام الجان» لعبد الوهاب الشعراني، وبين البادية والجان مناسبة لقول المتنبي:

نحن ركب م الجن في زي ناس


فوق طير لها شخوص الجمال»

ـ أن الكتاب يحوي نقولا نفيسة عن عدة مصادر مهمة، مثل:  نوازل ابن هارون، و نوازل ابن أبي زمنين، ونوازل أبي عمران بن هارون البزار، ونوازل الطالب محمد بن المختار بن  الأعمش العلوي الشنقيطي، ونوازل الشريف ابن احماض، ونوازل ابن هلال أبي إسحاق الصنهاجي، وغيرها من الأعلاق التي سنشير إليها عند الحديث عن مصادر المؤلف.

وبالنسبة لمنهج المصنف في كتابه فقد صرح في مقدمة الكتاب بالمعالم العامة لمنهجه، بقوله: «... وضعت على ذلك أربع تلميات، ليميز بين البيضاء والحمراء من التدميات، وإن كان هذا الوضع من التزبب قبل التحصر الذميم، لكنه يرعى إذا رعي الهشيم، وفوق كل ذي علم عليم، بيد أني لا أحتج إلا بنص في مذهب مالك، فليعانقه من كان أهلا لذلك...، ومما سمح به الفكر الآن في هذا المجرى هذه الأبيات فلتتدبر:

بقينا وعصر الاجتهادات قد مضى


فما الرأي إن لم يفت فينا مقلد

وإن كان لا يدعى به متبصر


فمن باب أحرى ذو اجتهاد مقيد

وأما الذي لم يعتقد فضل مالك


ويتلوه فهو العابث المتردد

ومعتقد للفضل أيضا شقيقه


ولكنه من ثوبه متجرد

وليس القياس كالطلاق فيختشي


مجزئه التأديب إذ يعتمد(52)

وبالنظر في التمهيد وصنيع المؤلف في كتابه، يمكن أن نستخلص العناصر المنهجية الآتية:

ـ افتتح المؤلف كتابه بمقدمة مهد فيها للمقصود، وذكر غرضه من تأليف الكتاب.

ـ سعى إلى تأليف كتاب لطيف الحجم، خفيف المحمل، جمع فيه النوازل الخاصة بأهل البادية، معتمدا في اجتهاده وفتاويه على مذهب الإمام مالك.

ـ بنى المؤلف كتابه على مقدمة وأربع تلميات، وهي: التلمية الأولى: وموضوعها التخريج، والتلمية الثانية: وموضوعها العادة التي يحكم بها للمصلحة، والتلمية الثالثة: وموضوعها القياس الكبير؛ لكونه ضروريا للمخرج، والتلمية الرابعة: وهي عمدة المركب، والثلاث قبلها من باب التوطئة والإخمال، وتمثل أغلب الكتاب، وقد تتبع فيها الأحكام التي يحتاج إليها البدو.كما وضع طررا مختصرة على الكتاب طبعت معه.

ـ حصر الفتاوى الشنقيطية المتعلقة بالمسائل الخاصة بالبدو؛ فقد وضع لترتيبها مقياسا محددا، بقوله: «الأنسب التصدير بكلام الأعهدين البلديين، وأقرب البلاد إلينا شنجيط ثم تيشيت ثم تينبكت»(53)، و«من الأعهدين محمد بن المختار بن الأعمش الشنجيطي، وكان حقه أن يتقدم لأن عَلَم أهل المنكب البرزخي عند أهل الأمصار الشناجطة»(54)، فرجع إلى فتاوى: محمد بن المختار بن الأعمش، والشريف ابن احماضه، ومحمد بن عبد الله بن أحمد الواداني، ...وغيرهم(55).

ـ فتح حوار مع علماء عصره، بقوله: «باحثت بعض أهل شنجيط في العلم»(56)،  بل يعتبر فتاويه واجتهاداته كلها من باب الحوار مع معاصريه بقوله: «فأوردت مسائل من ما تعم به البلوى مستفتيا فيها ومرشدا، لا مفتيا إلا لمن يرى ما أرشدت إليه، إن لم يرشدني هو إلى خير منه».

ـ فتح باب التخريج والاجتهاد والقضاء للجاهل (غير المجتهد)،؛ وذلك بإقناع معاصريه بالاجتهاد فيما لم يفت فيه الأقدمون.

ـ معالجة التناقض الذي يعيشه معاصرون حين يمنعون التخريج الذي ينكره الطلبة، ولا يفتون دونه إلا نادرا، وحين يمنعون على أنفسهم وعلى معاصريهم القضاء بحجة أنه خاص بالمجتهدين أو المقلدين، مع أنهم يمارسون القضاء، فحاول أن يرخص لهم في نصبهم للقضاء الجهلة(57).

ـ استعماله لأدوات في الاجتهاد والتخريج لاستنباط أحكام النوازل، بقوله: «فنعرض هذه المسائل على ثلاثة أجناس من الأصول: الجنس الأول: القواعد الأصولية التي منها الأدلة الكثيرة، الجنس الثاني: القواعد الشرعية التي اختص بها علم القواعد، الجنس الثالث: التخريج على ما في المختصر وشروحه، ومتون الفقه من الضرورات والعادات، ولاسيما إذا كان المقيس أولى بالحكم»(58).

ـ تركه الباب مفتوحا أمام معاصريه للبحث عن أدلة أقوى من أدلته، بقول: «هذا مع أنه معرض للتصفح من ذوي الألباب، فإذا وجدوا نصا في المسألة ألغوا كلامي فيها إن لم يظهر لهم قياس صحيح»(59).

ـ اعتماده التيسير والتسهيل، فقد أباح جميع المسائل التي بحث عنها في هذا الكتاب أو جعلها من باب الشبهة على الأقل، كما يقول: «وأما الجواب عن السؤال الثاني ـ وهو أني ذهبت إلى التحليل في جميعها ولم أذهب إلى التحريم، وفي ذلك فتح باب لا ينسد ـ فهو أن الداعي إلى هذا أمران؛ أحدهما: عدم وجود النصوص على الأحوال، والثاني: التسهيل على هذه الطائفة من الأمة التي ألجأتها الضرورة إلى التبدي»(60)، ويقول: «ومقصودنا التيسير ونفي الحرج عن أهل هذا القرن بأن لا ييأسوا من الاجتهاد إذا تعين على أماثلهم، وليس مقصودي أن أجر إلي نفسي، كما يظلمني به بعض الطلبة»(61)، «ومقصودنا من هذا الموضوع البحث عن بعض ما يظهر منعه بما يدل على جوازه أو يصيره شبهة، فيكون أقرب إلى الجواز»(62)، وقال أيضا: «أردت أن أبين للمقلدين مثلي أن لهم شبهة في التخريج والحكم بالعادة للمصلحة، والشبهة خير من صريح الحرام»(63)، «مع أن الشبهة إذا اضطر إليها تصيف نفس الحلال»(64).

ـ مناقشته الفقهاء الذين منعوا الاجتهاد والتخريج على أهل عصره مستشكلا أقوالهم بقوله: «قلت ومما يعرض بالفقهاء أيضا تأليف ابن الحاج إبراهيم العلوي نفعنا الله به، وها أنا أشرح ترجمته لأبين ما علمت من مقصده، وأستشكل ما لم أعلم، فقد قال العلماء: الاستشكال علم لا لأنقد عليه، وهيهات وشتان، وحيث قلت: قلت فإنما أريد أن أنقل وأستشكل، وقد علمت أن أهل الأقوال انقرضوا قديما، لكن بقي النقل والاستشكال»(65)، وبقوله: «ليعلم الناقد أن قصاراي في النوازل النقل والاستشكال أو الإرشاد المعرض للتصفح مِن مَن فيه أهلية وإنصاف»(66)، «فقد قال العلماء: الاستشكال علم»(67)، «والاستشكال علم كما نص عليه في التاج والإكليل، ومن ثمرته طلب نص يحله أو يجعل المسألة شبهة إن لم يوجد نص، وحكم الشبهة عند عج الكراهة»(68).

ـ يقدم المؤلف نماذج تكشف اعتزازه بكتابه وثقته بعلمه وسعة اطلاعه، وعلو باعه في الاجتهاد، كقوله: «هو من مواضع الفتوى، وليس له نظير إلا كتاب «أحكام الجان» لعبد الوهاب الشعراني، وبين البادية والجان مناسبة»(69).

ـ من منهجه أيضا الدقة في نقله عن المصادر، وانتخابه من هذه الكتب ما يهم البدو من الأحكام.

ـ عدم تتبعه لكل الأبواب الفقهية، واقتصاره على المواضيع الآتية: المسجد، والوقف، والقسمة، والمداراة، والمكيال، والعقوبة بالمال، وستر العورة، والاستئذان، وزكاة مال الزناقة، ورد الآي، وحكم المال المربى تحت يد المدافع عنه، وصرف الزكاة غلى غير من تعلق حقه بها، وحكم طبغة، وأصول الحلال والشبهة (متفرقات)، وباب الحسير والمنهوب المأيوس منه، وبيع السنة الفصلان، وبيع اللبن العامي، والعتيلة، ومسألة الربع والرسن ومعطى العادة، وعلق في ضمن الكتاب على أبواب من جمع الجوامع رأى أن مضمونها ضروري للمجتهد والمخرج، واهتم بالتفسير الإشاري على طريقة الصوفية.

ومن أبرز الظواهر الأسلوبية للشيخ في كتاب البادية ما يأتي:

1 ـ الإجمال، فالشيخ يتعمد الإجمال واستعمال المتشابه اقتداء بكتاب الله ليتبين فضل العلماء وليلا تبلد الأفهام، فتزل عن المعقول والمنقول(70)، ومن مظاهر الإجمال لديه التداخل بين عناصر الجملة الواحدة أو بين عناصر عدة جمل، حتى لا يتضح المعنى للقارئ غير المعتاد على مثل هذه الأساليب.

2 ـ الاستطراد، فالشيخ يتعمد أسلوب الاستطراد اقتداء بالمؤلفين كما يقول: «وإنما تبرعت بهذه المسودة اقتداء بالمؤلفين في التبرع بها واستطرادا في التسمية المستطردة...»(71)، وقوله: «واعلم أن الألوان والعقول ليست من الأعمال فضلا أن تكون عادة عملية مشترطا في ترجيحها وجوازها اشتمالها على مصلحة، وإنما أتينا بها استطرادا ومفهوما للعادة العملية؛ لأنها عادة غير عملية»(72).

3 ـ الاختصار، وهو أسلوب معتمد عند الشيخ، بقوله: «ومرادنا التسهيل مع اجتناب التطويل الذي بسطنا في موضع آخر؛ لأن من يخاطب بالمطولات صار من أهلها...، وإنما ألفته لمن لا يقدر على أكثر منه من التعلم؛ لأن ما عدا ذلك معذور فيه»(73).

4 ـ إيراد مصطلحات جديدة، مثل: «الوتد»، كما في قوله: «كما في آخر الوتد، وهو أي: الوتد الصحيح الذي خلف البرج الثاني عشر»(74)، «والوتد والقطب اسم لأوائل البدر الآخر من العلة. والبدر كل أربع عشرة مسالة في موضع تحقيقا أو تقريبا، وغنما سميت بالبدر لان نور البدر أربعة عشر جزءا لكل ليلة جزء زيد فيه في أول الشهر ونقصا في آخره، لا يتخلف ذلك، ولذا قد يسمى هنا بعض بالليالي، والحامل على هذا كله تعظيم شأن القياس بالأفلاك والبروج، وإشارة إلى صعوبته وعلو شأنه، ليهتم به وليحقق النظر فيه من هو أهل له»(75).

5ـ تفننه في إطلاق التسميات: ومن ذلك تسمية كتاب البادية بـ«التلميات» تارة، وبـ«صوف الكلاب» تارة أخرى، وتسمية العامية الشنقيطية بـ«الحسانية»(76) مرة، وبـ«العجمية»(77) مرة، وبـ«البربرية» مرة أخرى.

6ـ الأخذ باللغة الموافقة لرواية ورش عن نافع: ومن مميزاتها كثرة إبدال ونقل الهمز، ومن أمثلته: «الاستيذان»(78)، و«ليلا»(79)، و«يويده»(80)، و«مازورين»(81)،... وغيرها.

وقد تنوعت مصادر الإمام محمد المامي في كتابه؛ وإكثاره من العزو إلى أصحابها، وأغلبها مصادر الفقه المالكي شروحا ومختصرات وحواش، مثل: نوازل ابن هارون(82)، ونوازل ابن أبي زمنين(83)، ونوازل الطالب محمد بن المختار  بن الأعمش العلوي الشنقيطي(84)، ونوازل الشريف ابن احماضه(85)، والتاج و الإكليل في شرح مختصر خليل  لمحمد بن يوسف بن أبي القاسم المواق(86)، والشرح الكبير على متن خليل للخرشي، وشرح مختصر خليل لأحمد بن عبد الرحمن القيرواني المعروف بحلولو(87)...، وكتب أصول الفقه وقواعده، ومنها: جمع الجوامع لعبد الوهاب بن علي تاج الدين السبكي، وشرح تنقيح الفصول لشهاب الدين القرافي، والمستصفى لأبي حامد الغزالي، وأنوار البروق في أنواء الفروق لشهاب الدين القرافي(88)، وإيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك لأحمد بن يحيى الونشريسي(89)...، بل حتى كتب التفسير والعقيدة، مثل: تفسير جلال الدين ابن أحمد المحلي وتكملته لجلال الدين السيوطي(90)، وأحكام القرآن لابن العربي(91)، والذهب الإبريز في تفسير الكتاب العزيز لأحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، والعقيدة الكبرى لأبي عبد الله السنوسي...، وكتب التراجم، ومنها: نيل الابتهاج بالذيل على الديباج للعلامة أحمد بابا التنبكتي، وخصائص العشرة للزمخشري، والبحر الزاخر في علم الأوائل والأواخر لابن تغري بردي...، بالإضافة إلى كتب اللغة والمعاجم، وهي: القاموس المحيط  للفيروز أبادي، وكتاب الصحاح لابن حماد الجوهري، وإضاءة الأدموس ورياضة الشموس من اصطلاح صاحب القاموس لأحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي...، وهذا ما جعل الكتاب غزير الفوائد، متفرّدا في موضوعه، يندر الوقوف عليها في تصنيف، وهو الأمر الذي جعل أهل العلم يستحسنون موضوعه ويثنون عليه.

ومن اجتهادات الشيخ محمد المامي في النوازل البدوية التي استقاها من النصوص والمقاصد الشرعية، واعتمد فيها مبدأ التيسير والتسهيل، نذكر:

المسألة الأولى: الإجارة على اللبن العامي:

أجاز الشيخ محمد المامي الإجارة على اللبن العامي بقوله: «لاشك أن الإجارة على اللبن أصلها التحريم، وأن فيها الربا على القول بأنه لا يخص بالنسيئة، وهو الذي عليه مالك، وعلى القول الآخر هو بيع محرم، والربا الذي هو أضيق من البيع المحرم أبيح للضرورة في زمن النبي ﷺ ترخيصا على عامة المسلين، في ست مسائل هي: القرض، والقراض، والعرية، والمساقاة، والجعل، والشركة، وقاس العلماء على ذلك مسائل من الربا فرخصوا فيها للضرورة العامة،... ثم قال: وثالثها: يجوز ما اختلف فيه. وأصل هذا  كله القياس على الرخص التي في زمن النبي ﷺ كما ذكر الونشريسي، وقد نظمت منه هذين البيتين:

وأصل ذا قياسه على رخص


مباحة من ضرر بها خلص

كالقرض والقراض والعرية


مع مساقاة وجعل شركة»(92)

ويستدل لاعتبار الضرورة مصلحة تجب مراعاتها بقوله: «والضرورة مصلحة ولو أفضت إلى مخالفة القواعد، قال القرافي: «المصالح الضرورية كنفقة الإنسان مقدمة على المصالح الحاجية كنفقته على زوجته، والحاجية مقدمة على التمامية كنفقته على أقاربه، والمشقة مصلحة ولو أفضت إلى مخالفة القواعد؛ وذلك ضروري يوثر في الرخص»(93).

وخلاصة قوله في المسألة: «أن المصلحة المختلفة باختلاف الأحوال والأزمان تقتضي وجوب الفتوى بالحكم الجائز وغيره مما اقتضته المصلحة»(94).

المسألة الثانية: كشف نساء البادية أطرافهم لضرورة الرحيل لا للتبرج 

يرى الشيخ محمد المامي أن لأهل البادية في ستر العورة حظ من اسمهم الذي هو بدو العورة... وليس ذلك حجة في تعريهم إلا لضرورة أو عذر،... والتكليف مشروط بالإمكان فيجب عليهم ما أمكن من الستر، وما لم يمكن ككشف الأطراف لضرورة الرحيل لا للتبرج فلا أقدم على وجوب ستره(95)... ويشهد له قضية الحمام، وإني لأراها نظيرا لضرورة البادية في الرحيل، لأن كليهما لا ينفك عنه أهله، فلو ترك أهل البادية الرحيل لما عاشوا، ولو ترك أهل المدن الحمام للحقتهم الضرورة في الصلاة وغيرها، لاسيما وسط المدينة فإنهم لا يقدرون على الخروج منها إلا بالسفر، و لا يمكن ذك لكل طهر(96).

وخلص ـ رحمه الله ـ إلى أنه يمكن تحديد بدو العورة لأهل البادية بما ذكر عن عياض من كشف الساق، ومفهوم الموافقة معتبر، هذا إن لم تدع الضرورة أو العذر إلى أعم منه كخوف الهلاك أو شديد أذى(97). ثم قال: «وعندي لو ضيق عليهم لاقتحموا النهي بلا شبهة»(98).

المسألة الثالثة: وصل الشعر «الموفية»

يرى الشيخ محمد المامي أن وصل الشعر في عصره غير محرم بقوله: «وأما الشبهة التي لا تتعلق بالكسب فمنها الموفية ـ بالحسانية ـ وهو من ناحية الوصل، وأما قبل اتخاذه عادة فهو غش، إلا من الزوجة لأنه من الزينة لزوجها، لأنه معلل بغير تغيير خلق الله، وأطلق بعضهم تحريمه وفيه حرج»(99).

ويتبين مما سبق أن الشيخ محمد المامي قد ساهم إسهاما كبيرا في الساحة العلمية والجهادية معا، فجاءت أعماله تحفة فكرية وعلمية، وسجلا للظواهر الاجتماعية والتاريخية السائدة في المنطقة في عصره، وخير دليل على ذلك «كتاب البادية» الذي تعرفنا من خلاله على مسعاه التجديدي الفقهي عموما، والمنحى الذي سار عليه بخصوص الاجتهاد في قضايا ونوازل تهم أهل البادية والرحل منهم.


إعداد: رشيدة برياط

باحثة بوحدة علم وعمران 



 (1)عبد العزيز ابن الطالب موسى، (الباركي محمد المامي)، معلمة المغرب، نشر دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 1435هـ/2014م، ملحق (ج3)، (26/85).

 (2)مفاد الطول والقصر على نظم المختصر، لمحمد الخضر بن حبيب الباركي، مخطوط بمكتبة أهل محمد الخضر  (1/20)، نقلا عن كتاب البادية ونصوص أخرى، للشيخ محمد المامي، تصحيح اللجنة العلمية لزاوية الشيخ محمد المامي، نواكشوط، منشورات مركز الدراسات الصحراوية، الرباط، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، (ص23).

 (3)كتاب البادية (ص24).

 (4)عبد العزيز ابن الطالب موسى، (الباركي محمد المامي)، معلمة المغرب، ملحق (ج3)، (26/86).

 (5)كتاب البادية (ص23).

 (6)انظر: محمد دحمان، (مادة أهل بارك الله)، معلمة المغرب، نشر دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 1435هـ/2014م، ملحق (ج3)، (26/83ـ84)، وعبد العزيز ابن الطالب موسى، (الباركي محمد المامي)، معلمة المغرب، ملحق (ج3)، (26/86)، وكتاب البادية (ص30).

 (7)العالم المجاهد الداعي للخلافة الراشدة (ص5).

 (8)ذات ألواح ودسر، للعلامة سيد أحمد بن اسمه الديماني، مخطوط بمكتبة الإمام العلامة الشيخ محمد بن أحمد مسكه، نقلا عن كتاب البادية (ص29ـ30).

 (9)مفاد الطول والقصر (1/20)، نقلا عن كتاب البادية (ص28).

 (10)مفاد الطول والقصر (1/62)، نقلا عن كتاب البادية (ص26).

 (11)مفاد الطول والقصر (1/66)، نقلا عن كتاب البادية (ص27).

 (12)عبد العزيز ابن الطالب موسى، (الباركي محمد المامي)، معلمة المغرب، ملحق (ج3)، (26/87)، وكتاب البادية (ص27ـ28).

 (13)معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين.

 (14)كتاب البادية (ص25).

 (15)نفسه (ص25).

 (16)تشريح الجوازي في نظيم نظم المغازي، للعلامة محمد الخضر بن حبيب الباركي، مخطوط بمكتبة أهل محمد الحضر (ص2)، نقلا عن كتاب البادية (ص45).

 (17)كتاب البادية (ص44).

 (18)مفاد الطول والقصر (1/26ـ28)، نقلا عن كتاب البادية (ص44ـ45).

 (19)عبد العزيز ابن الطالب موسى، (الباركي محمد المامي)، معلمة المغرب، ملحق (ج3)، (26/86).

 (20)كتاب البادية (ص48).

 (21)عبد العزيز ابن الطالب موسى، (الباركي محمد المامي)، معلمة المغرب، ملحق (ج3)، (26/87).

 (22)كتاب البادية (ص175).

 (23)الرسائل (ص329).

 (24)نفسه (ص333).

 (25)الدلفين وشرحها (ص396).

 (26)كتاب البادية (ص128).

 (27)نفسه (ص127).

 (28)نفسه (ص128).

 (29)سورة الحجر، الآية 56.

 (30)سورة النحل، الآية 59.

 (31)كتاب البادية (ص127ـ128).

 (32)سورة الإسراء، الآية 84.

 (33)كتاب البادية (ص131).

 (34)نفسه (ص131).

 (35)الجمان (ص307).

 (36)سورة النحل، الآية 90.

 (37)كتاب البادية (ص131).

 (38)كتاب البادية (ص132).

 (39)الجمان (ص310).

 (40)كتاب البادية (ص176).

 (41)نفسه (ص177).

 (42)الجمان (ص309).

 (43)كتاب البادية (ص219).

 (44)الرسائل (ص333).

 (45)كتاب البادية (ص65).

 (46)رد الضوال والهمل إلى الكروع في حياض العمل (ص101)، وانظر كتاب البادية (ص128).

 (47)كتاب البادية (ص65).

 (48)نفسه (ص208).

 (49)نفسه (ص66).

 (50)ديوان الشيخ محمد المامي، طبعته زاوية الشيخ محمد المامي ، نواكشوط، الطبعة الأولى، (ص76).

 (51)نظم مختصر خليل، طبعته زاوية الشيخ محمد المامي، نواكشوط، الطبعة الأولى، (ص413).

 (52)كتاب البادية (ص128).

 (53)نفسه (ص214).

 (54)نفسه (ص215).

 (55)نفسه (ص58ـ59).

 (56)الرسائل (ص334).

 (57)الجمان (ص308).

 (58)نفسه (ص309).

 (59)نفسه (ص309).

 (60)نفسه (ص309).

 (61)كتاب البادية (ص264).

 (62)نفسه (ص250).

 (63)نفسه (ص147).

 (64)نفسه (ص176).

 (65)نفسه (ص133).

 (66)نفسه (ص257).

 (67)نفسه (ص163).

 (68)نفسه (ص255،252)، والجمان (ص309).

 (69)مفاد الطول والقصر على نظم المختصر، لمحمد الخضر بن حبيب الباركي، مخطوط بمكتبة اهل محمد الخضر، (ص27) نقلا عن كتاب البادية (ص68).

 (70)الجمان (ص281).

 (71)كتاب البادية (ص179).

 (72)نفسه (ص156).

 (73)نفسه (ص208).

 (74)نفسه (ص168).

 (75)نفسه (ص168).

 (76)نفسه (ص223)، (ص227).

 (77)نفسه (ص232)، (ص253).

 (78)نفسه (ص220).

 (79)نفسه (ص229)، (ص255)، (ص281).

 (80)نفسه (ص213).

 (81)نفسه (ص255).

 (82)نفسه (ص242).

 (83)نفسه (ص242).

 (84)نفسه (ص215).

 (85)نفسه (ص215).

 (86)نفسه (ص253).

 (87)نفسه (ص134).

 (88)نفسه (ص295).

 (89)نفسه (ص142).

 (90)نفسه (ص178).

 (91)نفسه (ص292).

 (92)نفسه (ص251).

 (93)الذخيرة، للقرافي، تحقيق محمد حجي وسعيد أعراب ومحمد بوخبزة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1994م، (5/224)، وكتاب البادية (ص251).

 (94)نفسه (ص252).

 (95)نفسه (ص219).

 (96)نفسه (ص219).

 (97)نفسه (ص219).

 (98)نفسه (ص219).

 (99)نفسه (ص238).



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها