القصيدة المولدية بالمغرب

يكاد يكون فن المدح أكثر فنون الشعر العربي إبداعا، بما توفر لدى الشعراء من بواعث فنية أو نفعية، أتاحت للقصيدة المادحة نقل عاطفة الإعجاب، بسبب ما تثيره في النفس من انفعالات تبعث على نظم الشعر من جهة، وبما هلا من صدق الشعور والإخلاص في التعبير عما يعتمل في خواطر الشعراء من جهة أخرى

المختار السوسي ومشروع الثقافة الوطنية

هناك أناس تركوا دويا ما يزال صداه يتردد، وما تزال الأجيال تستفيد من عطائهم وتتزود مما خلفوا من آثار.. منهم العلامة محمد المختار السوسي الذي كان مؤسسةً وحدَه، وقد وجد تاريخ سوس وتراثه يعاني الإهمال والتهميش، فنذر نفسه لخدمة العلم السوسي، ومن خلاله العلم المغربي والعلم العالمي..

اليوسي ممثلا لثقافة عصره

كم هو رائع أن تعبر شخصية ما عن عصر بأكمله، لاسيما إذا كانت هذه الشخصية تمتاز بجمع بين السمو العلمي والفكري من جهة، والانخراط في ثقافة العصر من جهة أخرى.. ينطبق هذا الأمر-في نظري- على العلامة الحسن اليوسي الذي قال عنه محمد الصغير الإفراني في “صفوة من انتشر...

 
 
علماء أدباء
عبد الله كَنّون مدافعا عن اليوسي



د.جمال بامي

مدير وحدة علم وعمران

كم هو جميل ورائع أن نتقن عناصر ثقافتنا وحضارتنا بشكل يجعل معيشنا وحضورنا في العالم يتم وفق أرقى مستويات الوعي بالطبيعة والتاريخ. ولاشك أن استيعاب معطيات الثقافة الوطنية من شأنه رفد الحياة بالخبرات الضرورية للحياة الكريمة كما يحفظ هيبة الوطن في أفق الانتقال من القوة بالقوة إلى القوة بالفعل..

ضمن هذا الأفق المعرفي والفكري والأخلاقي الرحب ذكر عبد الله كَنون-رحمه الله- في كتاب “في اللغة والأدب” (سلسلة شراع،ع8، 1996) أنه قرأ في عدد 24-10-1983 من جريدة الشرق الأوسط مقالا بعنوان: “شاعر سيء الحظ” للشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي، تناول فيه بالنقد ديوان شعر للحسن اليوسي.. وقد تعجب عبد الله كَنون من إقدام شاعر معروف على نقد ديوان بأكمله بمجرد تصفحه، وإبداء ما أبداه من الآراء النابية في محتواه الشعري الغزير، هذا وهو لا يعرف اليوسي ولا سمع به من قبل، ولا يعلم شيئا عن أعماله العلمية والأدبية، وإنما دله عليه جاك بيرك الذي نشر كما هو معلوم دراسة قيمة حول العلامة اليوسي..

لقد اعتبر حجازي أن ديوان اليوسي ينتمي إلى عصر الانحطاط، حيث شاعت الركاكة وصارت القصيدة خزانة للمحسنات والزخارف البالية.. ثم يقول: “على الرغم من أن شعر اليوسي ينتمي في مجمله إلى شعر العصر الذي وصفناه، فهو شعر يتفاوت، وهو ينحط في بعضه عن المتوسط، وقد يرتفع أحيانا، ويمتاز الشعر الشخصي عند اليوسي بشيء من البساطة والطلاقة، وهو يتحقق في بعض قصائد الغزل والتأمل من ذلك قوله:

إن بيــن الغَمـــــام والزَّهـــــر الغَــــــضِّ           لَرحْمـــــــــــا قديـــــــمة وإخـــــــــــــاءَ

بَاَن إلـــــفٌ عن إلفـــــــــِه فتـــــــــوارى           فـــــي الثَّــــــرى ذا وذاك حــلَّ السّماءَ

فــــــإذا مـــــا الغـــــمامُ  زارت جــــناباً           آذَنَــــــــتْ فـــــيه بالــــحبيبِ الِّلــــــقاءَ

وقد علق الشاعر المصري على هذه الأبيات بقوله: “وفي هذه الأبيات سذاجة في التصور والنظم، وفيها أيضا أخطاء لغوية ونحوية، فالغمام مفرد مذكر وليس جمعا أو مؤنثا..”، وقد رد كَنّون على هذا الموقف بقوله: “قوله إن الغمام مفرد مذكر وليس جمعا أو مؤنثا، غير صحيح، بل هو اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين مفرده بسقوط التاء، فإذا قلت غمامة نقص معناه وصار دالا على الواحد، وإن حذفت صار دالا على الجنس فزاد معناه، وهو يُذَكَّر ويؤنث، ومثله كلِمة وكلِم، و نخلة ونخل، ومن تذكيره قوله تعالى: “أعجاز نخل منقعر” [الحاقة، 6]، ومن تأنيثه قوله عز وجل: “أعجاز نخل خاوية“..

 

و”يقيِّم” حجازي الجانب الثاني من الكتابة الشعرية عند اليوسي بقوله: “المستوى الثاني لشعر اليوسي تبدو فيه المفردات غريبة مستعارة، والتعبير فيه تقريري جاف رغم الزخرفة والتحسين بالجناس والتورية والتزام مالا يلزم، والأخطاء اللغوية والنحوية والعروضية أكثر، وغالبا ما يكون هذا في الإخوانيات والمدائح حيث يطيل الشاعر دون قدرة، كما نجد مثلا في قصيدة يهنئ فيها صديقا له بالعودة من حجّته الثانية، فقد بلغ عدد أبياتها 543 بيتا لم ينج فيها من التكلف والخطأ إلا القليل النادر“..

رد العلامة كَنّون على هذا الادعاء بقوله: “القصيدة التي أشار لها الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي، هي دالية اليوسي التي مدح بها شيخه، وليس صديقه فقط، الشيخ محمد بناصر الدَّرعي، وهي على غرار دالية البوصيري التي مدح بها شيخه الإمام أبا العباس المرسي، أو قل عارضها بها، وهي قصيدة عامرة الأبيات جمعت  من فنون الأدب الشيء الكثير، كالنسيب والأمثال والحكم، إلى شرح المَلَكة الإنسانية وآداب السلوك ومنازل السائرين في فلسفة التصوف..” وهذا مطلعها:

عرِّج بمُنــــــعَرجِ الهِــــضابِ المُــــــــوَرِّدِ           بيــــــــن الِّلصابِ وبــــين ذات الأَرمـــــدِ

وأَجِزْ مــــــن الجَـزَع الــــذي بحـــضِيضهِ           أحـــــداثَ أصـــداء العَـــــشيرِ الهُـــــمَّدِ

وارْبَعْ عـــــلى الرِّبع المُـــــحيلِ هُنَيْـــئةً           إن الرَّبوعَ ربيـــــعُ القـــــلبِ الأكْـــــمدِ..

غيثَ الـــوَرى الشّـــــيخَ ابنَ ناصرِ الّذي           نصــــر الإلـــــهُ به شـــــريعةَ أحـــــــمدِ

وأعاد وجهَ الدّين أبيــــــضَ مُســــــــفرًا           بَهِجا مُقِرّ أعْيُــــــنِ كـــــلِّ مُـــــــوحّــــدِ

وأقام سَمْكَ بـــــنائِه حتــــــى ســــمَا           فوق السِّماكِ  على الأَواسـي الوُطَّد…

والعِلمُ ضـــــاحٍ ظِلــــُّهُ وصــدى التُّــقى           قد صُـــمَّ والغَيُّ استــــــطال بأجْــــــنُدِ

فكشفْتَ جِلــــــباب الجَهـــالةِ عن سنا           بَدْرٍ لســـــــــائِمةِ الضّـــــلالِ مُبَـــــــدِّدِ

يقول كنون: “فأين هي الزخرفة والتحسين والتزام ما لا يلزم؟ وأين التعبير التقريري الجاف مع هذا التصوير الممتع البليغ؟ وأين هي الأخطاء اللغوية والنحوية والعروضية التي زعم الناقد أنها كثيرة.. أما غرابة بعض الألفاظ؛ فإنها في ذلك العصر الذي ضعُفت فيه اللغة، تعتبر من باب الإحياء اللغوي، وتدل على أصالة الشاعر ورسوخ قدمه في المعرفة بالأدب العربي وأسراره…

والله الموفق للخير والمعين عليه



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها