جوانب من الحركة العلمية بجامع القرويين

ارتأيت في هذا المقال أن أتناول، بدل شخصية علمية واحدة أفصل فيها القول، تناول بعض جوانب الحركة العلمية بالمغرب من زاوية العلائق بين العلماء، وعلاقة ذلك بازدهار العلم والعمران. وقد رأيت أن أخص جامع القرويين المبارك بهذه المقالة نظرا للقيمة المفصلية التي يحظى بها هذا المسجد في تاريخنا وكياننا.

ابن القطان الفاسي وأثره في مدرسة الحديث في المغرب

هو الـشيخ الإمـام الحـافظ العلامـة الناقـد قاضـى الجماعـة أبـو الحــسن علــي بــن محمــد بــن عبــد الملــك بــن يحيــى بــن إبــراهيم الحميــري الكتــامي الفاســي المغربــي المالكي الشهير بابن القطان

 
 
علماء ومدارس
دور العلم في تواصل الأجيال


 

د. جمال بامي

مدير وحدة علم وعمران

في حياة كلٍ منا ثلاثة أجيال، الآباء الذين صنعوا الحاضر بما قاموا به في الماضي وهم جزء منا على كل حال، ونحن الذين نعمل الحاضر من أجل بناء المستقبل، والأبناء الذين  يتأهلون علميا وتربويا لحمل راية هذا المستقبل إلى آفاق جديدة بفضل من الله؛ والمطلوب بين هذه الأجيال التواصل المستمر وفق رؤية مقاصدية لمستقبل الأمة، وسيكون رائعا لو كان المكون العلمي حاضرا بقوة في تواصل الأجيال، لكن مفهوم الجيل يتعدى علاقة القرابة إلى علاقة عامة بالمجتمع والأمة عبر تلاقح الأجيال في مسيرة بناء الحضارة..

إن القضايا المعرفية هي وسيلة جوهرية من وسائل التواصل بين الأجيال، وهذه الوسيلة تعزز التقارب بينهم، وتزيد المودة وتزكي الرحمة؛ الجيل الأكبر يملك “معارف كامنة” ينبغي الاستفادة منها وتحويلها إلى خبرات إنسانية وفق مبادئ إدارة المعرفة، ولا يمكن استنباط هذه المعارف الكامنة إلا بالحوار والتواصل مع أبناء هذا الجيل، ولا شك أن هذا التواصل سيزيد الاهتمام بهم ويسعدهم ويجعلهم أكثر قدرة على تنمية المُجتمع ورفد الحضارة بالمعارف والقيم..

ويحتاج التواصل بين الأجيال إلى أماكن للّقاء لعل أهمها مراكز المعرفة والعلوم والتواصل، وقد صدق البيروني في كتابه “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” عندما سئل عن الاستنساخ، وقد كانت له وقتها أبعاد خرافية، فأجاب مصححا أن الاستنساخ هو استنساخ علوم الأولين فينا، بمعنى وراثة جيله لعلم الأجيال السابقة، والاستناد عليه في مسيرة بناء العلم والحضارة.

 

في تاريخ المغرب شواهد متواترة على أن انتقال العلم عبر سلاسل التعليم المباركة شكلت أساس استمرار العلم والصلاح في هذا البلد الكريم. وأريد في هذا المقام أن أركز الحديث عن دور جامع القرويين المبارك في التواصل بين الأجيال، وهو بالمناسبة الجامع الذي اختاره العلامة التازي للتواصل مع أعلام المستقبل. لقد ركز فضيلته في عرضه أنه لولا القرويين لكان المغرب غير المغرب، ولكان العلم شيئا غريبا وثانويا في تاريخنا الوطني. لقد طلب المحاضر من الأطفال أن يستحضروا عندما يزورون المسجد المبارك أنه مكان مر منه علماء أفذاذ مثل ابن رشد وابن خلدون وابن بطوطة، ولا يخفى ما لهذا الاستحضار من كبير تأثير على عقل الطفل وإحساسه، لأنه يربط في ذهنه بين المكان ورمزيته وبين العلم والفضيلة اللذان تبلورا في رحابه.

تروي كتب التراجم عن حياة كثير من علمائنا كيف أن الانتقال من أجل طلب العلم وملاقاة العلماء شكل أساس التواصل بين الأجيال. وكتب الفهارس المغربية التي تؤرخ للتواصل العلمي بين الأجيال خير شاهد على ذلك.. فهذا العلامة بن الزبير، صاحب كتاب “صلة الصلة” يتأثر بدروس الطبيب الشهير عبد الملك بن زهر بجامع القرويين أيما تأثر، بل ويطرح عليه الأسئلة وهو شاب صغير، وقد كان لهذا اللقاء دور كبير في مساره العلمي، وأبو العباس السبتي الذي اضطرت أمه لمنعه من المدرسة تحت ضغط الحرمان ليتبناه أستاذه العلامة أبو عبد الله الفخار وينفق عليه من ماله الخاص خشية أن يغادر التعليم بسبب الفاقة، مما مكن أبا العباس السبتي من الانخراط في سلك العلم والصلاح حتى أصبح سيدي بلعباس الذي نعرف، وهو الذي قال فيه الفيلسوف بن رشد : “إنه رجل مذهبه الوجود ينفعل بالجود“..

وظاهرة تلقين الوالدين العلم للأبناء ظاهرة مميزة في تاريخ المغرب الفكري، وتاريخنا العلمي حافل بالتراجم التي نقرأ فيها مثلا: وتلقى العلم أولا عن أبيه، أو عن عمه أو أخيه. والنماذج كثيرة نذكر منها القاضي عياض وابنه، وأبو محمد صالح وأسرته، وآل أمغار، وآل الفاسي: أبو المحاسن، ومحمد المهدي، وعبد القادر وأبو زيد عبد الرحمن؛ وعلي العكاري، مجدد العلم برباط الفتح وابنه، وأبي شعيب الدكالي الذي أريد أن أقف معه وقفة خاصة؛ لأن العلامة عبد الهادي التازي ركز عليه في حديثه الشيق مع الأطفال كأول قدوة تأثر بها في حياته؛ وقد كان ذلك برحاب جامع القرويين المبارك.. وأبو شعيب مثال قوي من أجل إبراز مركزية العلم في التواصل بين الأجيال في تاريخ بلدنا الكريم…

ولد أبو شعيب الدكالي في دوار الصديقات بقبيلة الغربية  بدكالة، ونشأ يتيما تحت كفالة عمه العلامة سيدي محمد بن عبد العزيز الصديقي، الذي كان مقصد طلبة العلم من كل قبائل دكالة، ورئيس مدرسة علمية، وكان حريصا على تربية ابن أخيه أبي شعيب تربية علمية ودينية تليق بسمعة العائلة وتواتر العلم فيها، فما كاد يبلغ العاشرة من عمره حتى حفظ القرآن بالقراءات السبع وتفرغ لحفظ المتون الدينية واللغوية. وحول نشأته كتب العلامة أبو شعيب يقول: “واعلم أيها الفاضل السائل عن نشأتي وتطوراتي أصلح الله حالي وحالك، وبرر قالي وقالك، أن جدي سيدي عبد العزيز الصديقي كانت له ربيبة، وكان يحبها كبناته الكثيرات، ورغب من أولاده وأولاد أخيه أن يتزوجوا بها، فأبوا فعرضها على والدي أخيرا وقال له تزوجها ولك أرض أريري، وهي مزرعة لنا فقال له: تزوجتها ونحلتي رضاك، فقال له: الأرض والرضا نحلة لك، وستلد لك ما أذكر به أنا وأنت، فتزوجها فولدت له أولادا قبلي، ثم حملت بي بعد موت الجد المذكور، فرغب أعمام أبي أن يتزوج عليها فساعدهم، ولكن في ليلة دخوله رأى في منامه أحد أعمامي المسمى أبا شعيب، وكان علامة وأستاذا، أهداه صينية حمراء فيها كؤوس من الزجاج، وكأس من الذهب، وصينية أخرى من فضة، فقال له: ما هذا الرمز؟ فأجابه : الصينية الحمراء هي الزوجة الأولى، والكؤوس أولادها، وكأس الذهب منها هو المولود الذي سيولد لك فسمه باسمي. وأما الصينية الفضية فهي بنت عمنا ولا تلد لك، ولما استيقظ وجدني ولدت في تلك الليلة، فسماني أبا شعيب. والرؤيا تسر ولا تضر، وفرح بي كثيرا، وفعلا ولدت أمي عدد الكؤوس، ولم تلد بنت عمه” (نقلا عبد الله الجراري: “المحدث الحافظ أبو شعيب الدكالي”، مطبعة النجاح ط2، 1979، ص16).. ولما بلغ سن التعليم اختار له والده معلما يحفظه القرآن فحفظه إلا خمسة أحزاب في الخامسة من عمره قبل أن يموت والده عام 1300هـ. وبعد موته كفله عمه محمد فاعتنى بتربيته وتعليمه، علمه هو بنفسه مثلما علمه ابن عم أبيه عبد الرحمان بن الفقيه الصديقي. كانت نتيجة اهتمام الأهل بأبي شعيب صقل موهبته بشكل جعل منه طفلا غريب الأطوار، وهذا سر من أسرار التربية.  فعندما كان عمره ثلاثة عشر عاما استقدم السلطان الحسن الأول حفاظ مختصر خليل لأجل الاختبار، وكان ذلك سنة 1308هـ، فحضر أبو شعيب إلى مراكش ليشارك في مسابقة السلطان، وكان المشرف على الامتحان وزير العدل آنذاك الفقيه علي المسفيوي الذي أعجب بأبي شعيب لصغر سنه وتقدمه في الحفظ والفهم، فسأله الوزير عن حفظه للقرآن، فأجاب أنه يحفظه بالقراءات السبع، فأحضر من يمتحنه فيها فطلب منه أن يقرأ، فقرأ أبو شعيب سورة الرحمان، فظن المسفيوي أنه تعمد اختيارها لأنه يجيدها أكثر من غيرها  كما في كتاب “أعلام المغرب العربي” للعلامة عبد الوهاب بن منصور (ج: 2، 196)، وشاع خبر هذا الطفل الأعجوبة حتى بلغ إلى علم السلطان الحسن الأول، فأمر بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه قال له السلطان: أعرب “الرمان حلوٌ حامضٌ”، فأعرب المثل، وكان قصد السلطان أن يطرح معه قضية معروفة في النحو تتعلق بالخبر حين يتعدد بالنسبة لمبتدأ واحد، ثم إن الحسن الأول أراد أن يمازحه فقال له : “أنت فقيه ولست بنحوي” فأجابه : “أنا أعلم بالنحو مني بالفقه، ولكني أنشــد لمولانا قول الشاعر:

يداك يد للــورى خــيرها          وأخرى لأعـــدائها غائرة

هنا تدخل بعض من كان حاضرا في المجلس وقال له أفصح؟ ماذا تريد أن تقول لمولانا؟ أجاب : “يكفيني أن أذكر قوله تعالى: “والذين كذبوا بأياتنا صم وبكم في الظلمات” [الاَنعام، 40]، فأعجب به السلطان، وضحك كثيرا، وأمر له بصلتين وكسوتين، ووقع على بطاقة التنفيذ بما نصه: “يضاعف لأبي شعيب لصغر سنه وكبر فنه“...

وسيزداد هذا التأثير ويتعمق عندما سافر أبو شعيب إلى مصر سنة 1314هـ، فأقام بها سنين يتلقى العلم على شيوخ الأزهر، كالعلامة سليم البشرى وأحمد الرفاعي، ومحمد بخيث، وأخذ أيضا عن الفقيه اللغوي محمود الشنقيطي.. ولاشك أن كل ذلك خلف أثرا كبيرا في نفس الشاب أبي شعيب الدكالي، وصقل موهبته، إلا أن هذا النبوغ المبكر لأبي شعيب جعله يتوق إلى فضاء أرحب وأعظم وأشرف، فلبى طلب  شريف مكة يومئذ الرفيق عون، ليلتحق بالأرض الحرام، وليصبح خطيب الحرم المكي ومفتي الديار بالمذاهب الأربعة، فذاع صيته، ورغب العلماء الحجازيون والوافدون على مكة من جميع أنحاء العالم الإسلامي في الاجتماع به والسماع منه والتعرف عليه (أعلام المغرب العربي لعبد الوهاب بن منصور، ص: 196). 

بهذا اكتملت شخصية الدكالي ونمت قدراته العلمية، وعاد إلى المغرب المبارك، والتحق بالسلطان مولاي عبد الحفيظ بفاس، وهو يحمل مشروعا كبيرا لإصلاح التعليم. وأقبل عليه علماء فاس وطلبتها ونهلوا من علمه الغزير، فقد سلبهم بقوة حفظه ومنهجه الرصين في التدريس، وقد كان من بين الطلبة الحاضرين علامتنا التازي وهو لا يزال بعد طفلا صغيرا كما حكى ذلك بنفسه للأطفال في حفل الاحتفال بإطلاق موقع “فطرة” الإلكتروني.. لقد ذكرهم بأول لقاء علمي تأثر به في القرويين وبقي عالقا بخلَده، إنه الدرس الذي ترأسه شيخ الإسلام أبو شعيب الدكالي، وهنا نلمس بوضوح مظهرا عظيما من مظاهر تواصل الأجيال.. الشيخ الدكالي، وقد تشبع بالعلم في قريته الصغيرة بدكالة بمساعدة أعمامه ثم تفوقه في مسابقة السلطان بمراكش ثم دراسته في القرويين، ثم رحلته العلمية إلى الأزهر وصولا إلى تصدره التدريس بالمذاهب الأربعة في الحرم المكي… بعد عودته النهائية إلى المغرب سيعود إلى جامعته الأولى أي جامع القرويين المبارك ليلقي دروسه الموسوعية التي حضر إحداها العلامة التازي وهو ابن سبع سنين.. وتمر السنين ليروي علامتنا التازي هذه القصة للأطفال بالرباط بمناسبة الاحتفال بموقع “فطرة”، وأمله أن يدركوا أن العلم والفضيلة هما أساس بناء الأمم، وأن القرويين هي عمق المغرب العلمي والحضاري. وأظن أن الرسالة قد وصلت..

والله الموفق للخير والمعين عليه



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها