الكتاب: شيوخ العلم وكتُب الدرس في سبتة أواخر القرن السابع الهجري

الكتاب: شيوخ العلم وكتُب الدرس في سبتة أواخر القرن السابع الهجري

 

الناشر : جمعية البعث الاسلامي - تطوان - المغرب
الطبعة : 1 - سنة 1404 هـ / 1984 م
عدد الصفحات : 77

المؤلف: الدكتور حسن الوراكلي.

الكتاب: تاريخ سبتة

الكتاب: تاريخ سبتة

 

المؤلف: محمد بن تاويت. 

 
 
سبتة
ابن أبي الربيع الاشبيلي

 

 

د.جمال بامي

مدير وحدة علم وعمران

عرفت حاضرة سبتة حركة علمية غزيرة جعلت منها أحد أهم مراكز العلم بالغرب الإسلامي. والحق أن محروسة سبتة -حررها الله- ازدهرت وتألقت وأينعت بفضل عمق تاريخها وتفرد جغرافيتها وأصالة أهلها. فبالإضافة إلى العنصر الأمازيغي الأصلي، والعنصر العربي الوارد إليها من المشرق جاء العنصر الأندلسي لينصهر بالمكونات الثقافية والحضارية الأخرى بشكل جدلي لتتشكل الشخصية السبتية كما نعرفها عمقا وحسا ومعنى.

 

ضمن هذا التفاعل الخلاق بين سبتة والأندلس هاجر ثلة من أفاضل العلماء من مدن الأندلس إلى الحاضرة السبتية. فبعد سقوط اشبيلية سنة 646هـ، غادرها عدد كبير من أعلامها، تفرقوا في البلاد، وكان من حظ سبتة أن يهاجر إليها عدد ليس بالهين.

من هؤلاء الأفاضل، الشيخ الأستاذ إمام النحويين والفرضين أبو الحسن بن أبي الربيع العثماني الإشبيلي[1].

ولد عام 599 وأخذ عن جماعة من الأشياخ، ذكر بعضهم في برنامجه الذي كتبه تلميذه ابن الشاط[2] منهم: أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد الأنصاري الاشبيلي المعروف بالقرطبي[3] توفي نحو 630، وأبو الحسن علي بن جابر بن علي بن محمد بن يحيى اللخمي الاشبيلي المعروف بالدباج[4]، وأبو علي عمر بم محمد بن عمر بن عبد الله الازدي المعروف بالشلوبين[5]، وأبو القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أخمد بن بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي[6]، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن عبد الرحمن ابن خلفون الازدي الأونبي[7]، وأبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد ابن أحمد ابن محمد بن أبي عزفة اللخمي العزفي السبتيّ[8] أبو محمد عبد الله بن علي بن محمد بن إبراهيم الأنصاري الاستجي المعروف بابن ستاري[9]، وأبو محمد عبد الله بن محمد الجذامي الشلطيشي[10].

نعرف أن ابن أبي الربيع[11] قد أخذ من كتب القراءات: الكافي لمحمد بن شريح الرعيني، والتبصرة لأبي محمد مكي بن أبي طالب، والهداية لأبي العباس المهدوي والتيسير لأبي عمر عثمان بن سعيد الداني.

ومن كتب الفقه المختصر والرسالة لابن أبي زيد، والتلقين لابن نصر البغدادي والتفريغ لابن الجلاب والمختصر للطليطلي، والتهذيب للبراذعي، والمقدمات لابن رشد، والكافي لابن عبد البر.

وأخذ رحمه الله  كتب الحديث  الموطأ، والمسند الصحيح، والسنن لأبي داود والجامع الصحيح، والجامع الكبير للترمذي، والسنن للنسائي، والسيرة لابن إسحاق، والأحكام لعبد الحق الاشبيلي والشفا للقاضي عياض.

ومن كتب النحو: الكتاب لسيبويه، والإصلاح لابن السّكيت، والإيضاح للفارسي والجمل للزّجاجي..

مهر العلامة ابن أبي الربيع الاشبيلي في الدراسات النحوية حتى صار إماما من أئمة هذا الفن ليس في المغرب فحسب بل في سائر بلدان العالم الإسلامي، فوصف “بإمام النحاة[12].

هاجر ابن أبي الربيع  إلى سبتة عام 646 هـ  وقد جاوز سنه الأربعين بقليل، واستقر ينشر العلم والصلاح بين طلابه، ويجتهد في مجال التأليف.

الغالب أن كل تآليف ابن أبي الربيع تمت في محروسة سبتة، والجميل أن جل كتب هذا الفاضل لا يزال موجودا إلى الآن وهي: المختصر في النحو –مخطوط الاسكوريال 110-185؛ و تفسير القرآن – يوجد منه الجزء الأول بخزانة الرباط ق 316 ولا نعرف نسخا أخرى بمكان آخر؛ الإفصاح في شرح الإيضاح – خزانة القرويين رقم 1188؛ (برنامج) نشر في مجلة معهد المخطوطات العربية، ج 1-2؛ شرح الجمل للزجاجي – خزانة الرباط (ق 206)؛ والقوانين النحوية – خزانة القرويين رقم 1188؛ وشرح كتاب سيبويه[13].

ولقد أقبل الناس على كتب ابن الربيع، وبسببها اشتهر اسمه في جل أقطار العالم الإسلامي[14]، وفي الوقت الذي كانت تدرس كتبه بالمغرب كانت تدرس أيضا بالمشرق، ولا أدل على ذلك مما يرويه ابن رشيد السبتي في رحلته حيث يورد في ترجمته لأبي عبد الله محمد إبراهيم المعروف بابن النحاس الحادثة التالية:

فبينما أنا إثر صلاة العصر أتطوف في المسجد الجامع[15] رأيت فيه حلقا بعضها لإقراء القرآن وبعضها للعلم، فقال لي ذلك الفقير يعني- دليله إذن من هذه الحلقة فإني أرى أهلها ذوي احتشام فدنوت منها، فرأيتهم قد أحقدوا بهذا الإمام فسلمت ودخلت الحلقة، وجلست وأنا لا أعرف الشيخ فوجدته يتكلم في علم العربية، فأخذت معهم بطرف مما كانوا يتكلمون فيه فالتفت إلى الشيخ فقال: من أين قدومك قلت من المغرب، قال من الإسكندرية؟ قلت: من أبعد قال من تونس؟ قلت من أبعد، فقال لي فقل إذن من جو المغرب يعني من داخله قلت نعم من أي بلاده قلت من سبتة. فكان أول من فاتحني به قال: يعيش سيدنا الحسن بن أبي ربيع؟ قلت نعم، فقال ذاك شيخنا إفادة بوصول كتابه إلينا أو بوفادته علينا أو معنى هذا يعني شرحه لكتاب إيضاح الفارسي المسمى بالكافي في الإيضاح.

ثم قال أقرأت عليه. قلت نعم. قال ما قرأت عليه؟ قلت ما يقرأ طلاب العلم والعربية. فاستفسر فقلت قرأت الجمل والإيضاح والكتاب. فلما ذكرت الكتاب قال: أعبر إلى جانبي فامتنعت فعزم علي وأقعدني إلى جانبه، وجلست وتمادى على الإقراء فاختلست الكلام أثناء إقباله على من بين يديه من التلاميذ مع الذي كان عن يميني اختلاسا وقلت: من الشيخ؟ فقال بهاء الدين ابن النحاس. فالتفت الشيخ وقد ثبت بين يديه. فقال: لم؟ ارجع إلى موضعك. فقلت يا مولانا لم يعرف المملوك بين يدي من هو ولو علم ما جلس هذا المجلس ولا تكلم. فعزم علي في العود إلى مجلسي فعدت وأشار بالاطمئنان فاطمأنت[16].

ويروي صاحب نفح الطيب[17] في ترجمة للنحوي أبي جعفر بن يوسف الفهري اللبلي- وهو من طبقة الطلبة الذين درسوا مع ابن أبي الربيع علي عمر الشلوبين- أنه طرح على طلبته سؤالا نحويا فلم يصلوا إلى حل حتى مضت مدة طويلة فوفد علينا بتونس المحروسة أحد طلبة ابن أبي الربيع وكان ابن أبي الربيع هذا ساكنا بسبتة وهو أحد طلبة الشلوبين أيضا ومن كبار هذه الطبقة التي نشأت بعده” وقد وجدوا حل المسألة عند هذا الطالب.

الحاصل أنه قد تتلمذ على ابن أبي الربيع بواسطة تلاميذه أئمة النحو الكبار بالوطن الإسلامي، ويكفي أن بهاء الدين ابن النحاس -وما أدراك ما ابن النحاس- منهم…

يتبع في العدد المقبل..

———————-

1. اختصار الأخبار 16 المطبعة الملكية 1389.

2. مجلة معهد المخطوطات العربية، ج: 1 – 2.

3. التكملة لابن الآبار، رقم: 991.

4. برنامج الرعيني، 88.

5. برنامج الرعيني، 83 صفحة 70 – صلة الصلة، ط. الرباط 1938.

6. بغية الوعاة، 174 – برنامج الرعيني، 50 – نيل الابتهاج، 63.

7. التكملة، 1013 – الوافي، 2: 218- تذكرة الحفاظ، 192.

8. برنامج الرعيني، 42- اختصار الأخبار، 22- نيل الابتهاج، 63 – تذكرة الحفاظ، 1422.

9. نيل الابتهاج، 138- التكملة لابن الآبار، 1461- جذوة الاقتباس، 242.

10. التكملة، رقم: 1439.

11. ترجمته في اختصار الأخبار 16- برنامج التجيبي لوحة، 127- بغية الوعاة، 319- غاية النهاية، 1: 484 – صلة الصلة – كشف الظنون 1428-1819 روضات الجنات، 465، 466 – معجم المؤلفين 6- 266 – الإعلام 4: 344.

12. الإحاطة 3: 93.

13. بغية الوعاة.

14. نقل في بغية الوعاة قول أبي حيان “ابن أبي الربيع ملا الأرض نحوا“، ص: 384.

15. هو مسجد عمرو بن العاص.

16. رحلة ابن رشيد –معهد مولاي الحسن بتطوان 3: 22-23.

17. ج: 2- 208 تحقيق إحسان عباس.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها