القصيدة المولدية بالمغرب

يكاد يكون فن المدح أكثر فنون الشعر العربي إبداعا، بما توفر لدى الشعراء من بواعث فنية أو نفعية، أتاحت للقصيدة المادحة نقل عاطفة الإعجاب، بسبب ما تثيره في النفس من انفعالات تبعث على نظم الشعر من جهة، وبما هلا من صدق الشعور والإخلاص في التعبير عما يعتمل في خواطر الشعراء من جهة أخرى

المختار السوسي ومشروع الثقافة الوطنية

هناك أناس تركوا دويا ما يزال صداه يتردد، وما تزال الأجيال تستفيد من عطائهم وتتزود مما خلفوا من آثار.. منهم العلامة محمد المختار السوسي الذي كان مؤسسةً وحدَه، وقد وجد تاريخ سوس وتراثه يعاني الإهمال والتهميش، فنذر نفسه لخدمة العلم السوسي، ومن خلاله العلم المغربي والعلم العالمي..

عبد الله كَنّون مدافعا عن اليوسي

كم هو جميل ورائع أن نتقن عناصر ثقافتنا وحضارتنا بشكل يجعل معيشنا وحضورنا في العالم يتم وفق أرقى مستويات الوعي بالطبيعة والتاريخ. ولاشك أن استيعاب معطيات الثقافة الوطنية من شأنه رفد الحياة بالخبرات الضرورية للحياة الكريمة كما يحفظ هيبة الوطن في أفق الانتقال من القوة بالقوة إلى القوة بالفعل..

 
 
علماء أدباء
أحمد بن الونان


د.جمال بامي

مدير وحدة علم وعمران

شخصية هذا المقالة عالم فاضل من علماء العصر العلوي، اشتهر بقصيدته الشهيرة المسماة الشمقمقية؛ يتعلق الأمر بالعلامة الفقيه الأديب ابن الونان..

 

هو أبو العباس أحمد بم محمد الونان الحميري التواتي الفاسي، صاحب قصيدة الشمقمقية المشهورة، لكننا لا نعرف الشيء الكثير عن حياة هذا الشاعر الفذ. إذ تسكت المصادر عن تاريخ ولادته، كما لم نتعرف على تأريخ وفاته إلا عرضا[1].

نعرف أن ابن الونان عربي الأصل، ينتمي إلى حمير، وكانت طائفة منهم قد استولوا على توات عمّرها الله، وتغلبوا فيها على الزناتيين، لذلك يدعى ابن الونان في بعض المصادر التواتي، كما يبدو من نسبته إلى  محروسة فاس أنه ولد فيها..

يقول ابن الونان مفتخرا:

سل ابن خـــلدون عـــلينا فــلنا         بيـــــمن مـــآثــر لـــم تمـــــحق

وسل سليمان الكلاعي كـم لنا         مــن خبــــر بخــــيبر وخـــــندق

ويــــوم بــــدر وحــنين وتـــــبوك         والســــويق وبنـــــي المصطلق

بهم فخرت ثـــــم زاد مــــفخري         بأدبــــي الغض وحسن منطقي

ترجم لصاحبنا أحمد ابن الونان كل من ل. بروفنصال، مؤرخو الشرفاء، (ص: 150 هامش 210، وص: 353 هامش 2 وص: 404)، وذكر بعض مراجع ترجمته له م. الفاسي، الأدب المغربي ص: 537 أ، ع. كنون، النبوغ المغربي في الأدب العربي: (316 و 2: 170-182)، أ النميشي، تاريخ الشعر، ص: 82، السائح، المنتخبات، ص: 81-83، ابن زيدان إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، 3: 344-347، ك، بروكلمان، ملحق تاريخ الأدب العربي، 2: 706، الرجراجي، الشموس المنيرة في أخبار الصويرة، ص: 18-22، ع. ابن سودة، دليل مؤرخ المغرب الأقصى، (1: 261 و 2: 408- 431).

كان محمد بن الونان، والد أحمد أديبا مبرزا و شاعرا رقيقا، وكان مقربا من السلطان العلوي محمد بن عبد الله، فدعاه لخفة روحه “أبا الشمقمق” وظل هذا اللقب عالقا به طول حياته. ثم ورثه عنه ابنه أحمد الذي استعمله في قصيدته الشمقمقية، وهي القصيدة التي خصها العلامة المرحوم سيدي عبد الله كنون بكتاب قيم..

ولما نظم ابن الونان شمقمقيته الشهيرة، حاول دون جدوى الاتصال بالسلطان سيدي محمد بن عبد الله، فترصد له ذات يوم لدى مرور الموكب، وصعد فوق ربوة، ونادى بأعلى صوته:

يا سيدي ســبط النــبي        أبو الشـمقــمق أبــــــي

فتعرف عليه السلطان محمد بن عبد الله عرفانا بمودة والده الأديب الشاعر، وصحبه معه إلى القصر.

يمكن القول، وللأسف، أن معظم إنتاج أحمد بن الونان قد ضاع، باستثناء الشمقمقية؛ ولم يبق إلا نبذ يسيرة، ومقطعات مبعثرة ، نذكر منها:

  • قطعة شعرية في مدح السلطان سيدي محمد بن عبد الله[2]؛

  • رسالة مسجعة بعث بها إلى الشيخ المعطي بن الصالح الشرقي، مختومة بأبيات شعرية في مدح هذا الشيخ[3]؛

  • أرجوزة نظم فيها مسائل ابن خميس[4].

ولطالما تساءل الناس عن أسباب شهرة الشمقمقية، لكن معرفتنا بأن الشمقمقية نظمت في عصر كان الأدب العربي في المشرق ما يزال ضعيفا يتخبط في عصور الانحطاط، يجعلنا نفهم بعض جوانب شهرة هذه القصيدة الفريدة من نوعها..

وقد درس محمد الأخضر في كتابه بعض جوانب من قصيدة الشمقمقية في كتابه الحركة الأدبية على عهد الدولة العلوية، (درا الرشاد الحديثة، 1977)، ومما قاله فيها: “فمقطع (مق مق) المكرر يرن فيها بشكل غريب، وكذلك سائر قوافي القصيدة، وتضاف إلى هذه الغرابة الصوتية، أساليب أدبية أخرى، من توالي بعض المفردات المتناسقة النبرات، إلى استعمال كلمات غريبة مهجورة، واستخدام الجناس. وهذه أمثلة من ذلك:

مثل توالي مفردات في وصف الأرض، بما تشتمل عليه من رياح وعواصف وأشجار ونبات:

ليس بها غير السوافي والحوا          صب الحراجــــيج وكــل زحلـق

والمــــرخ و العــــفار والعــضاة          والبشام والأثل ونــبت الخربق

والرمث والخــــلة والســـعدان          والثغر وشرى وسنا وسمسق

وعشــــر ونشــــم واســــحل          مـع ثــــــمام وبــــهار مــــونق[5]

ثم يتابع السرد على هذا النحو، محتويا على أكثر العبارات شذوذا وغرابة.

والجناس بالقاف في قول ابن الونان:

أعز من بيــض الانــــوق ومن        العنقا ومن فحل عقـوق أبلق[6]

بالسين (يعاقب الشاعر حادي النوق على أنه لا يحسن معاملتها).

وكم بسوط البغي سقت سوقها        سوق المعنف الــــذي لم يـــتق

وقد استخدم ابن الونان هذه الطريقة على نطاق واسع، عند ذكره الأمثال والحكم التي ملأ بها قصيدته، وذلك ما أفضى عليها حلة خاصة، لاسيما بالنسبة للعمرية التي عارض بها أحد شعراء الرباط شمقمقية ابن الونان فيما بعد.

ونظرا للقضايا الأخلاقية التي تعالجها تلك الأمثال والحكم، تنافس النقاد في شرح الشمقمقية[7]، وعدها لذلك ك. بروكلمان من جملة الآثار الفلسفية.

وفيما يلي بعض مقاطع من شمقمقية ابن الونان:

رفقا بها قد بلغ الســيل الزبى        واتسع الخــــرق على المـرتق

وهـب لأيديهـــن أيــدا ولــــــها        متنــا متــنا ما خلا من مصدق

وعاشر الناس بخــــلق حسن        تحمد عــــليه زمــــــن التفرق

ولا تصاحب مــن يــرى لنفسه        فضلا بلا فضــل وغــير المتقي

ولا تعـــد بوعــــد عـــرقوب أخا        وفه وفــــا ســـموءل بالأبـــلق

شرح بأدرع امرئ القــيس وقد        ترك نجله غـــــســيل العـــلق

يعلق محمد الأخضر على هذه الأبيات في كتابه سابق الذكر بقوله: “تدل هذه المقتطفات على مدى لباقة الشاعر في اقتباس الأمثال والحكم التي كان يستعملها عادة عرب الجاهلية والإسلام، ونظمها في رجز حسن الجرس تسهل قراءته واستذكاره. وهكذا كل القصيدة مليئة بالتشبيهات والإشارات المقتبسة من قصص القرآن الكريم، ومن علوم البلاغة والنحو مما يتعلق بالحيوان والأشياء وحتى بعض فصول تاريخ المغرب“.

ويمكن القول أن مقاصد الشمقمقية تتمثل بشكل عام في:

  • وصف السفر والبعد عن الأحبة في مجاهل الصحراء على جمال يسوقها حداة قساة (من البيت الأول إلى البيت 44)؛

  • وصف الحبيبة وتولع الشاعر بها (من البيت 45 إلى 70)؛

  • الفخر والحماس، حيث يفتخر الشاعر بأرومته وشاعريته (الأبيات 71- 106)؛

  • ذم الحسود والرقيب (الأبيات 107-114)؛

  • الحكم والأمثال والنصائح (الأبيات 115-200)؛

  • مدح الشعر والتنويه بشاعرية أبي الشمقمق النموذجية (الأبيات 201-229)؛

  • مدح السلطان سيدي محمد بن عبد الله (الأبيات 230-257)؛

  • الإشادة بالقصيدة وتحدي الشعراء أن يأتوا بمثلها (الأبيات 258-275) (محمد الأخضر: الحركة الأدبية على عهد الدولة العلوية)..

وبالجملة؛ فإن الشمقمقية أصيلة وفريدة من نوعها، لكن صاحبها ذهب أبعد من ذلك إذ يدعي أن الشمقمقية لا يمكن أن يؤتى بمثلها، يقول

من كان يرجو من سواي مثلها       رجا من القربة رشح العـــــرق[8]

والحال أن الشمقمقية تعتبر جزءا من الإنتاج الأدبي والفكري الذي حظي بمكانة كبيرة في نفوس العلماء والطلاب المغاربة على مدى قرون، وهي بذلك تستحق أن تعتبر جزءا من التراث الحي لهذا البلد الكريم.

توفي ابن الونان(سنة 1187هـ/1773م) رحمه الله وجازاه عن المغرب خيرا، والله الموفق للخير والمعين عليه..

—————————————————————————–

1. أ. النميشي، تاريخ الشعر، ص: 83. كنون شرح الشمقمقية، ص: 6.

2. انظر عبد الله كنون، شرح الشمقمقية، ص: 7، وذكر الجريري في شرحه أن ابن الونان نظم قصيدتين في مدح السلطان سيدي محمد بن عبد الله، إحداهما دالية طويلة من بحر البسيط، هنأه فيها بانتصاره على البرتغاليين، بعد أن طردهم من ثغر الجديدة، والثانية حائية قصيرة من بحر الطويل، قلد فيها قصيدة عوف بن محلم في مدح عبد الله بم طاهر. انظر ع. ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، 3: 346.

3. تنظر عبد الله كنون، شرح الشمقمقية، ص: 8.

4. المصدر السابق في نفس الصفحة، وهذه الأرجوزة أحسن شيء في بابها، حسب رأي بعض النقاد، وقد أدرجها عبد الله كنون في أراجيز البلاغة.

5. انظر عبد الله كنون شرح الشمقمقية، ص: 14-15.

6. المصدر السابق، ص: 116.

7. شرح الشمقمقية عدد من الأدباء في طليعتهم: أ- أبو عبد الله الجريري السلاوي (توفي 1240- 1824) بـ – أبو حامد العربي بن علي المشؤفي (توفي 1313-1895) عام 1295= 1877)، ج- أحمد خالد الناصري السلاوي (توفي 1315- 1897) عام 1896، د- أبو بكر بن العربي بناني (توفي 1330= 1912)، هأ المكي بن محمد البطاوري (توفي 1354- 1936) عام 1299- 1881، وعبد العزيز بن محمد السوسي (توفي 1336- 1918)، ز. عبد الله كنون عام 1354- 1935، وهذا الشرح الأخير هو الوحيد الظي طبع، وما بقي مخطوط. انظر ع ابن سودة، دليل 2: رقم 1981-1987 شرح الشمقمقية عدد من الأدباء في طليعتهم: أ- أبو عبد الله الجريري السلاوي (توفي 1240- 1824) بـ – أبو حامد العربي بن علي المشؤفي (توفي 1313-1895) عام 1295- 1877)، ج- أحمد خالد الناصري السلاوي (توفي 1315-1897) عام 1896، د- أبو بكر بن العربي بناني (توفي 1330- 1912)، هأ المكي بن محمد البطاوري (توفي 1354- 1936) عام 9(1299- 1881)، وعبد العزيز بن محمد السوسي (توفي 1336- 1918)، ز. عبد الله كنون عام (1354- 1935)، وهذا الشرح الأخير هو الوحيد الظي طبع، وما بقي مخطوط. انظر ع لبن سودة، دليل 2: رقم 1981-1987

8. زعم ابن الونان أنه أشعر من جرير، وجميل، والأصمعي، والفتح ابن خاقان، والموصلي، وابن بسام. أنظر ع. كنون، شرح الشمقمقية ، ص: 118-119.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها