القصيدة المولدية بالمغرب

يكاد يكون فن المدح أكثر فنون الشعر العربي إبداعا، بما توفر لدى الشعراء من بواعث فنية أو نفعية، أتاحت للقصيدة المادحة نقل عاطفة الإعجاب، بسبب ما تثيره في النفس من انفعالات تبعث على نظم الشعر من جهة، وبما هلا من صدق الشعور والإخلاص في التعبير عما يعتمل في خواطر الشعراء من جهة أخرى

المختار السوسي ومشروع الثقافة الوطنية

هناك أناس تركوا دويا ما يزال صداه يتردد، وما تزال الأجيال تستفيد من عطائهم وتتزود مما خلفوا من آثار.. منهم العلامة محمد المختار السوسي الذي كان مؤسسةً وحدَه، وقد وجد تاريخ سوس وتراثه يعاني الإهمال والتهميش، فنذر نفسه لخدمة العلم السوسي، ومن خلاله العلم المغربي والعلم العالمي..

عبد الله كَنّون مدافعا عن اليوسي

كم هو جميل ورائع أن نتقن عناصر ثقافتنا وحضارتنا بشكل يجعل معيشنا وحضورنا في العالم يتم وفق أرقى مستويات الوعي بالطبيعة والتاريخ. ولاشك أن استيعاب معطيات الثقافة الوطنية من شأنه رفد الحياة بالخبرات الضرورية للحياة الكريمة كما يحفظ هيبة الوطن في أفق الانتقال من القوة بالقوة إلى القوة بالفعل..

 
 
علماء أدباء
محمد بن الطيب العلمي



د.جمال بامي

مدير وحدة علم وعمران

يعد عصر المولى إسماعيل العلوي عصر ازدهار علمي وأدبي رافق الاستقرار السياسي العام الذي توطدت دعائمه بعد سياسة تدبير التراب وتحرير الثغور.. فليس غريبا أن يعرف هذا العصر بروز الحسن اليوسي، وعلي العكاري، وعبد الله الغربي، وعبد القادر الفاسي، وغيرهم من رواد الحركة العلمية ببلدنا المبارك..سياسة تدبير التراب وتحرير الثغور.. فليس غريبا أن يعرف هذا العصر بروز الحسن اليوسي، وعلي العكاري، وعبد الله الغربي، وعبد القادر الفاسي، وغيرهم من رواد الحركة العلمية ببلدنا المبارك..

وفي ظل هذا العصر العلمي الزاهر برز نجم أديب، وعالم كبير اسمه محمد بن الطيب العلمي. وهو يعد هو واليوسي، وابن زاكور، الأمثلة الحية للأديب المغربي.

ويعتبر العلمي امتدادا للمدرسة الأدبية التي أسسها العلامة اليوسي، وسار على نهجها الأديب الكبير ابن زاكور.

لا نعرف بالتحقيق تاريخ ولادة محمد بن الطيب العلمي، لكن من المؤكد أنه ولد بفاس، في سنة قريبة من (عام 1100/1688)، اعتمادا على شهادة العلمي نفسه في كتابه الأنيس: “فعندما رثى الشيخ المولى محمد بن عبد الله الشريف الوزاني كان نظمى لها في زمن الصغر، مع ما انضم إلى ذلك من سرعة الإرتجل فهي جديرة بأن ينظر إليها بعين الرضى، وتقابل بالتجاوز” وإذا عرفنا أن وفاة ابن الشريف كانت  سنة 1120/ 1708؛ فإن عمر العلمي وقتذاك لم يكن يتجاوز العشرين على أقصى تقدير.

بعد قراءة القرآن على يد والده دخل محمد بن الطيب العلمي جامع القرويين ليتعلم الفقه، واللغة والمنطق والطب والموسيقى، بالإضافة إلى الأدب والتاريخ..

إن اليتم المبكر وحب الرحلة والتعلق بالأدب والتاريخ والموسيقى كلها عوامل جعلت من هذا الفاضل شابا غريب الطبع يميل إلى العزلة وحب الطبيعة، وقد قام برحلات داخل المغرب، حيث زار بالخصوص مدن مكناس وتطوان وزرهون، وفي عام 1709 زار جبل العلم ومقام العارف ابن مشيش، ومنه توجه إلى سبته حيث حضر معارك بين المغاربة والإسبانيين، خارج أسوار المدينة المحاصرة.

بعد رحلات داخلية مليئة بالعلم والاكتشاف تاقت نفس صاحبنا العلمي إلى زيارة الحرمين لأداء فريضة الحج، فأدركته المنية في الطريق بمدينة القاهرة عام (1134 = 1721 أو 1135) حسب رواية أخرى قبل أن يحقق أمنيته وهو ما يزال في ريعان الشباب..

ترجم لمحمد بن الطيب العلمي ليفي بروفنسال، (ص: 295 = 297)، وذكر بعض مراجع ترجمته محمد الفاسي في الأدب المغربي(ص: 535 بـ 536 أ)، وعبد الله  كنون في النبوغ، (1: 314-315، 2: 201-210 و 253-254، 3: 83-84 و130-131 و291 و 312 و 213)، وذكريات مشاهير رجال المغرب ذكريات، (رقم 14.) وترجم له بروكلمان في تاريخ الأدب العربي ملحق، (2: 684 و 800 ع) وعبد الرحمن ابن زيدان، في (المنزع اللطيف/ ص: 309)، وفي (الإتحاف 5: 283/5: 283) وفي دائرة المعارف الإسلامية مقال (ليفي بروفنسال 1 المطبعة الجديدة، ص: 363). (وعبد الوهاب ابن المنصور في البدائع ج: 1)، وجاك بيرك في الأدب المغربي والشرق في (القرن، 18 فصله، 3 ص: 311-312)، والحسن اليوسي في “المحاضرات” (ص: 118-119)، ومحمد داوود في مختصر تاريخ  تطوان (ص: 283 و 286 و 287-288)، وفي تاريخ تطوان (1/ 349-350 و 381-384- 389 و416، 3: 130ـ 142)، وعبد السلام بن عبد القادر ابن سودة في دليل مؤرخ المغرب الأقصى (1: 246 و 249 و 261).


يقول الفاضل محمد الأخضر في كتابه الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية (الدار البيضاء، دار الرشاد الحديثة، الطبعة الأولى، 1977): ”يعد محمد ابن الطيب العلمي من أكبر رجال الأدب بالمغرب، وكثيرا ما يضرب المثل بشعره ونثره في الرقة واللطف، ورغم حياته القصيرة، ألف كتبا عديدة لم يسلم من الضياع[1] إلا أهمها، وهو الأنيس المطرب، ونشير إلى أن من بين مؤلفاته رسالة معرفة الأنغام الثمانية، تؤكد معرفته للموسيقى[2] ومجموعة أشعار سماها القصائد المعشرة[3] في التشوق إلى البقاع المطهرة، وهي كما يبدو من العنوان قصائد ضمنها شوقه الشديد إلى زيارة الحرمين الشريفين. وتشمل قوافيها على جميع الحروف الهجائية، عشرة أبيات في كل حرف منها، وذلك ما يفسر كلمة المعشرات الواردة في العنوان..

وفي رسالة بعث بها الصاحب الشرقي إلى محمد ابن الطيب العلمي إشارة على مختصر ألفه هذا الأخير وأثار إعجاب أكابر الأدباء، وطربوا له كل الإطراب، وتعجبوا منه غاية الإعجاب غير أن أهم مؤلفات العلمي، ولا شك هو كتاب الأنيس المطرب فيمن لقيه مؤلفه من أدباء المغرب. وهو كتاب نفيس عرف به العلامة بروفنسال، وقد ذكر محمد بن الطيب العلمي في المقدمة الأسباب التي حملته على تأليفه، والطريقة التي سلكها فقال: “اقتصرت من الرجال على المشهور بين الجمهور، واطلعت فيه من الأهلة بعدد الشهور، ولم أبخل عليه بما جر الكلام من الحكايات، وبعض الشكايات، ومسائل علمية، اقتضتها الصنعة القلمية، وربما أدى الحال إلى المجون، والحديث- كما قيل- شجون، وحليت كلا بما يوافق وسورت أيديه بالثناء إلى المرافق، وسويت في الإنصاف بين المرافق والمفارق، ولم أغض من حق أرباب الصدور، يعلم ذلك من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وأتيت لكل واحد بكلامه، الصادر على السن أقلامه، لينتظره الأعيان، ويحكموا على العيان، وعذرا لذوي الألباب، ومن الولوج في ضيق هذا الباب، ولولا مخافة نهر السائل، وما يترتب عليه من المسائل، لكنت البرئ بقوله القائل:

إذا لم تستطع شيئا فدعه        وجاوزه إلى ما تستطيع

ولطالما امتنعت من هذا التأليف، واعتذرت بأنى لم أبلغ فيه حد  التكليف، ولما لم يغن الإمتناع، كشفت عن وجه تدوينه القناع[4].

يمكن القول استنادا إلى الدراسة القيمة التي خص بها محمد الأخضر صاحبنا العلمي في كتابة عن الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية أن الأنيس هو عبارة عن مختارات أدبية، قصد المؤلف بها أن يجمع تراجم معاصريه وانتاجاتهم، سواء منهم الشيوخ والتلاميذ.

وإذا كان عدد هؤلاء كثير؛ فإن قلة المعلومات جعلت العلمي يقتصر في كتابه على اثني عشر منهم، وفي ذلك دلالة على أن أصحاب الأدب الصرف لم يكونوا يحظون إلا بعناية ضئيلة من أصحاب كتب التراجم.

يمكن القول كذلك أن هذه المختارات تحتوي أيضا على استطرادات مختلفة وذلك ما يجعلها أقرب إلى المتنوعات الأدبية، ويذكر النموذج الذي ساقه العلمي بالمبدأ الذي اعتمده العرب وبخاصة ابن قتيبة.

ثمة ملاحظة معرفية مهمة وهي أن حرص محمد بن الطيب العلمي على توخي الحقيقة دفعه إلى أن يستقي معلوماته من المصادر الوثيقة، وينقل بالحرف ما كتبه المؤلفون أنفسهم..

والحال أن كتاب الأنيس للعلمي يعتبر مساهمة نوعية في التأريخ للحركة الأدبية خلال العصر العلوي، مع ما رافق ذلك من ازدهار علمي شمل عدة مجالات وفنون بالتوازي مع حركة عمرانية مباركة، وهو ما يعني الارتباط الجدلي بين ازدهار العلم وازدهار العمران.. ورغم قصر عمر العلمي؛ فإن عمله المبارك جعل سجله حافلا ضمن فضلاء بلدنا المبارك..

لا شك أن كتاب الأنيس للعلمي يعتبر مساهمة نوعية في التأريخ للحركة الأدبية خلال العصر العلوي، زاد من قيمته المرحلة الفكرية المفصلية التي ألف فيها والمتمثلة في عودة استقرار الحركة العلمية، وتجديد دمائها بعد الاستقرار السياسي في عهد السلطان العلوي مولاي إسماعيل.

ليس غريبا أن نجد في كتاب الأنيس، بعد المقدمة مباشرة ثلاث قصائد[5] في مدح السلطان المولى إسماعيل لنستدفع -كما قال العلمي- بذلك جيوش الهم، ولنكون ممن قدم الأمر الأهم[6]، ويطلب العلمي من قارئ القصيدة الثالثة أن يغض النظر عن هفواتها؛ لأنه نظمها في حداثة سنه، وتقع التراجم الاثنى عشر ومختارات أصحابها فيما بين الصفحة السادسة والصفحة التاسعة والأربعين بعد الثلاثمائة، تأتي بعدها خاتمة محتوية على ملاحظات مفيدة حول رجال الأدب: يقول العلمي: “مراتب هؤلاء الرجال متفاوتة في الارتجاج والارتجال، فهم بين رئيس طاوعته أقلامه، ورسخت في مراكز البلاغة أقدامه، وانتشرت في عساكر المبارزة راياته وأعلامه، فهو في فنون الكلام يتصرف، ويريد أن ينكر فيأتي الله إلا أن يعرف كلامه السهل يسيل المدامع، وتصغى له المسامع، ويعد بنظم مثله كل سامع، فإذا ريم أعجز، وما طل في ذلك الموعد وما أنجز وبين آخر كثير الأغراب، راغب عن الأعراب، لا يعلم له مراد، ولا يفهم من أبياته إلا الأفراد وهو إذا تأمله وجدته يتكلف ذلك الإيهام، ليعمى على الأفهام، ويحتاج إليه للاستفهام، وليعلم أن له اطلاعا على اللغة وأنه بلغه من الغريب ما بلغه، وذلك رأى جنح إليه اعتقاده، وأداه إلى ارتكابه اجتهاده، فباء باجتهاد غير مصيب، وانقلب عن غنيمة الإجادة بغير نصيب.. [7].

وقد نادى العلمي كسائر النقاد الأكفاء، بالأسلوب السهل والاختيار الذكي للألفاظ، والوضوح في التعبير، وحمل على التقليد والأغراب اللذين كانا شائعين في عصره، ولم يسلم هو نفسه منهما أحيانا..

وتستمر خاتمة الأنيس في بيان الفصاحة مع إيراد الاستشهادات التقليدية التي نجدها في أكثر كتب الفن وفي أبداء ملاحظات حول الشعر.

تكمن أهمية الأنيس خاصة فيما يشمل عليه من معلومات كثيرة ووثيقة عن الحياة الأدبية في المغرب لما فيه من ملامح مفيدة من تعريف بالشاعر مثلا، وذكر منازل السّنة وأدلتها، وجدول الشهور العجمية حسب تقويم جليان الذي كان ما يزال معروفا في البوادي ورسم العناصر الأربعة وتأثيرها وتوافقها الخ[8].

أما الأدباء الذين ترجم لهم في الأنيس، فليس فيهم من المشهورين غير ابن زاكور، بينما الآخرون أكثرهم، كتاب من الحاشية السلطانية في مستهل القرن الثامن عشر، أسماء تكاد تكون غامضة على العموم لم تتمكن من الحصول على الشهرة الحضرية الواسعة، لذلك فإنهم يسيرون في اتجاه معاكس لتيار عصر مولع بموضوعات أكثر تزمتا[9]. وإن تأكيد العلمي على شخصيات مغمورة في عصره باستثناء ابن زاكور يدل على رغبة كبيرة في التعريف بالنوابغ من المغمورين الذين أهملوا في كتب الأدب والتراجم، وهذه مسألة تحسب للعلمي..

لكن ما في الأنيس قبل كل شيء هو العلمي نفسه الذي نلتقي به في كل صفحة، بل وفي كل فقرة، والحق أن تتبع فصول هذا الكتاب النفيس يستحق دراسة وافية.

والطريف أن محمد بن الطيب العلمي يتحدث عن شعره بكثير من الفخر والاعتزاز، ولا يمكن إلا أن نجاريه في ذلك. فقد قال في قصيدة بعث بها إلى أحد أصدقائه:

ولى شعر يغار الســحـر منه          شهي مثل منظرك الـشهي

معانـــــيه وألــــفاظ ونــــسج          خفي فــي خفي في خـفي

 ولكني لــما أودعـــت فـــــيه          أنزهه عـــــــن الغمر الغبى[10]

قلت لا يمكن إلا أن نتعاطف مع العلمي في شهادته عن نفسه بالتفوق في صناعة الشعر ذلك أن شعره ساحر جذاب سواء برقته وعذوبته أو بدقة أفكاره وتعابيره، ويزيده فتنة روعة كثرة استعمال البحور القصيرة الصعبة كالرمل والسريع والمنسرح.

وقد تعددت مواضيع شعر العلمي ولامست جل الموضوعات الأدبية من مدح، وشكوى ووصف الرياض والحياض وفورات المياه، والنزهات على ضفاف وادي فاس، وأفكار فلسفية متعلقة بالوجود والحياة والموت..

وقد قلت من قبل بأن العلمي عرف اليتم مبكرا، وكابد أشد أنواع الفقر؛ لأن والده لم يترك له شيئا بعد موته، لذلك نجده يستعين في أمر معاشه بقرض الشعر المربح، وبالطبع كان الشخص الأول قصده العلمي بشعره هو السلطان المولى إسماعيل العلوي، فخصه بثلاث قصائد تبتدئ إحداها بقول العلمي:

لك العز والتــــأييـد والفـــتح والنصر        أيــــــا ملــــكا لـــه البــــر والبــــحر

 هزمت جيوش الكفر في كل معرك        وشيدت ركن الدين فانتفض الكفر[11]

يقول الفاضل محمد الأخضر في كتابه الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية: (دار الرشاد الحديثة، 1977) معلقا على هذه الأبيات: يمتاز هذا المطلع بالاستعمال الموفق لصور البر والبحر، وهما يعفران جبينهما بين يدي السلطان، وصرح الدين الذي شيدت أركانه وعززت وصرح الكفر وقد هدمت جوانبه وهزمت جيوشه، كل ذلك في لغة سهلة لا تكلف فيها.

وأنا أقول أن حركة تحرير الثغور التي اعتمدها المولى إسماعيل لافتكاك السواحل المغربية من الاحتلال الاسباني والبرتغالي، ومشاركة العلماء والصلحاء في ذلك تجد صداها هنا في أبيات محمد بن الطيب العلمي..

يتأكد هذا الرأي في قول العلمي في نفس القصيدة:

جنودك كالليل البهــيم مهابة       ولكنما أبطالها الانجــم الزهر

   تقدمها خيل عتــاق إذا عدت       تكاد تجاريه الـــــرياح والطير[12]

أما الشيخ محمد بن مولاي عبد الله الشريف الوزاني، فقد رثاه وهو لم يجاوز العشرين من عمره.

بالإضافة إلى المدح اهتم العلمي في شعره بوصف الطبيعة، وقد استغل النزهات الكثيرة التي كان يقوم بها على ضفاف وادي فاس ونهر سبو، لملاحظة الطبيعة ووصفها بكيفية دقيقة، حتى لتكاد جميع قصائده تحتوي على وصف الرياض والأزهار والعطور، كما يتجلى  من هذا المقطع:

غنت على الأغصـان ورق الحمام         فكدت من شــوقي أذوق الحـمام

وابتسمت فــــي الروض أزهـارها         والجو يبكــي بــــدموع الغــــمـام

فهــــاتها تنســل مــــن ظــــربـها         تريك سرى الفجــر تحــت الظلام

مــــــن كـــف هيـــفاء مـــغـــــنية         تمزج راحـى الســـرور المــــــدام

غيـداء لـــولا فــــرط حـــبي لهـــا         ما كنت أدري كيف شرب المـدام

وللعلمي كذلك باع طويل في شعر الغزل لكنه شعر لا يخلو من نبرة صوفية كونية، يقول:

ولم أهو لهوا لا ولاهمت فـــي رشى       ولا استملحت عـــيناي زيــدا ولا عمرا

ولم أنتخــب هــــندا ولـــيلى لصبوتي       ولم أتبع في العشق قيسا ولا بشرا

ويقول أيضا:

بكـيت لبـــــدر سار عنـــى ظاعــــنا       على قده قــد كنت أســتـطلع البدرا

خشعت لــــه لما سـرى ليلة النوى       ويخشع كل الناس من ليلة الأسرى

وكم لي أنهاه عـن السير بالحـشى       وما خلت أن البــــدر لا يتـرك السيرا

سرى يــــــذرع الأقطار شبرا وأذرعا       ولــم يبـــق لي فيها ذراعا ولا شبرا

لقد كنـت أغنى الناس لو دام وصـله       أرى ثغـــــــره درا فـأنسى به التبـرا

يقول الفاضل محمد الأخضر في كتابه سابق الذكر: “من الممكن على كل حال أن يكون العلمي أبيقوريا منغمسا في اللذات، وصوفيا متدينا في نفس الوقت يسير تارة وراء الشهوات ويرجع أخرى إلى التوبة والعبادة تجتذبه حياته الماجنة المضطربة مرة إلى الشر، ومرة ثانية إلى الندم وتأنيب الضمير، كما تتجلى في البيتين التاليين اللذين يشتكي فيهما إلى المولى تعالى:

يا رب أشكوك ما علمت به        من الخـلاف وســيء الأدب

ومن أحاديث قد وشيت بها        طرزتها بالــخـداع والــــكذب

ومن فواحـــش جئتـها فرحا        بين الفــصول آلــة الـــطرب

ومن صـــلاة أضعــــتها زمنا        أخرتها عــــــمدا بلا ســبب

وعلى نفس المنوال الصوفي ذي الروح التائبة يمضي العلمي في نظم الشعر “الوجودي” مشتكيا من النفس والشيطان، وذلك في سياق وصف ليالي الأنس والشراب التي أضاع فيها جزءا من شبابه؛ يقول:

 

بتنـــا بــــروض وفـــيــه        مــن الجـــمال فنــــون

من نــرجس وظـــــلال        حواجـــــــب وعــــيـون

والكـأس تحسب حبي        لـــــــه علـــيها ديـــون

عاطـــيته الـــراح حتى        عــــراه مــــنه أنـــــين

تلجـــلج اللــــفظ مــنه        فـــــــلا يكــــاد يبــــين

رشـــى إذا رام قــتلي        يقــــول كـــــن فــيكون

وفي تقليد لقصيدة  مدرك بن علي الشيباني[13]، كتب العلمي قصيدة رائعة بحق؛ جاء فيها:

هذي رسالة بما في الصدر        من الهون والهوى والهجــــر

منظومة مثل الــلآلي تـزري        بكل بكر مــــن بنــات الفـكر

  فشعرها إنسان عين الشعر

من عاشق عان لما يـعاني        تفــجرت من عينيه عــيـنان

فقلــبه مـــراتـــع الغــــزلان        ودمعه قلائــــد العـــقيــــان

منظومة في صفحات النحر[14].

يقول الفاضل محمد الأخضر في كتابه الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية: (دار الرشاد الحديثة، 1977): ومن ألوان الشعر التي اشتهر بها محمد بن الطيب العلمي المسمطات؛ وهي قصائد مشطورة تتطابق فيها قافية المصراع الثاني في البيت الأخير من كل دور، دون أن تطابق قوافي المصاريع الأخرى، وقد أبدع العلمي في هذا الميدان وأغرب، وأتى فيه بقصائد رائعة منها قصيدة نظمها في صباه، وكتب على ظهرها بعض شيوخه كلمة استحسان جاء في أول هذا المسمط:

أفدي بــــأمي وأبــــي        ظــبيا غـــريرا مـــر بي

يفـــتر عنـــي  كالحبب        يــا ليتـــه لــــم يـــغب

يشـــح عـــني بالكلام        لكن يجــــود بالــكــلام

عـــهــوده أرض كــــلام        تـــزري ببــــرق خـــلب

وددت تقــــبيل السلام        منـه ولو يرمي السلام

مــا زال يمنـــع السلام        عني بغــــير ســــــبب

 ولــــم يجد لي با لوصال        ولم يكلمـــني بـــــحال

       فــــلم يكلـــم الغــــزال        إلا النـــبي العـــــــربي..[15].

وقد برع العلمي كذلك في التوشيح براعة كبرى، ونظم فيه قطعا عجيبة منها هذا الموشح الذي عارض به موشح شهاب الدين العزاري، يا ليلة الوصل وكأس العقار.

يا ليلة السكـــر         ويوم الخمار  بين الصغار      علمتها الأكواس من الجمار

بــــــات يحـــينا نســـــيم الريـــــاض

حتـــى اكتسى الليل قميص البياض

   كأنــــــما يملا الطـــــــــلا من الحياض

مهفهف ينسيك       ذات الخمار    غب المزار      يدير باليــمنى لنا واليســــار

فاشرب فما في شربها من جناح

هذا غـــــراب الليل ضــــم الجناح

 وقهقه الإبريـــق والطــــــير نــــاح

وينتهي هذا الموشح الرائع  بقول العلمي:

يا ليلة الوصل    وكأس العقار   دون استتار     علمتماني كيف خلع العذار[16].

لا تقل شهرة ابن الطيب العلمي ناثرا عنه شاعرا، والأنيس شاهد على ذلك، إذ كثيرا ما يستعمل النثر الفني بكل المحسنات والطرق البديعة السائدة في عصره. يقول محمد الأخضر في كتابه سابق الذكر:  فكتاب الأنيس، سواء في مفهومه أو شكله أشبه شيء بقلائد العقيان لابن خاقان أو بالأحرى المنتقى المقصور لابن القاضي الذي يعتبر بالتقريب مثيلا له..[17].

من أشهر مقامات العلمي “مقامة الحلاق“، وهي مقامة لا راوي لها يروي أخبار البطل، وإنما يحكي قصتها بعض الظرفاء الثقات، وتكمن القيمة المضافة للمقامة في المعلومات القيمة التي تقدمها لنا عن المجتمع المغربي في (القرن الثاني عشر = 18م).

يقول العلمي في مقامة الحلاق: “أخبرنا بعض الظرفا من ذويي المروءة والوفا، ممن اعتمد على نقله وروايته، وأحكم بصحة عقله ودرايته، قال: جلست يوما مع جماعة من الأحباب، وطائفة من الأصحاب على شيء من الشراب نتذكر ما مر في أيام الشباب، وبيننا شاب حسن الصورة، عليه الملاحة مقصورة واللطائف في شمائله محصورة إلا أن شعر شاربه قد طال، فقال: أنا أخبركم بخبر يعجب لذكره الحاضرون، ويطرب لسماعه المنصتون والناظرون، كنت من شبابي أتزخرف المكاسب وأتخير منها ما يناسب، فصليت يوما صلاة الاستخارة فوجدت نفسي مائلة إلى التجارة، فقصدت مدينة سنجار، وفتحت بها حانوتا في سوق التجار، ووضعت فيه من محاسن القماش، ما أستعين به على المعاش، وزينت الدكان بحسب الإمكان، وكسوتها بالأستار على أربعة أركان، وعاملت أهل الأسواق، بمكارم الأخلاق، واستعنت بالقربة، على ليالي الغربة، فاتفق لي في بعض الأيام، ضرورة إلى دخول الحمام، فوجدت في طريقي جماعة من النسوان، بينهن فتاة كأنها قضيب لبان، فلمحت من تحت الإزار معصمها وقد سطع صفاؤه، وأبصرت من تحت النقاب مبسمها وقد لمع ضياؤه فوقفت، وقد جرى من الجفون دمي، وعجزت عن نقل قدمي، ثم تتبعتها من بعيد، ولاحظتها إلى أين تريد، فدخلت دارا يدل إتقان بابها، على سعادة أربابها.. [18].

يعلق محمد الأخضر في كتابه سابق الذكر على هذا الجزء من المقامة بقوله: “رغم كون المفروض أن حوادث المقامة تجري في سنجار؛ فإن شخصيتها مغربية من الناحية النموذجية، عرف العلمي كيف ينزلها منازلها بكيفية تعريفية، فبطل القصة شاب أديب اختار مهنة التجارة في القماش، وعاشر زملائه التجار بالحسنى، وزارهم ليتسلى، غير أن شغفه بمحبوبته دفع به إلى ارتكاب خطأ فادح، بانتهاك بيت الخطيب، وقد تكون هذه الشخصية تمثل المؤلف نفسه، والخياط في القصة يخيط في دكان وعنده من الصناع ألوان ذوو أذقان ومردان، صنوان وغير صنوان[19]، وهو أيضا أديب يصف نفسه قائلا:

أنا الخــــياط لـــي رزق ولكن       أرى حالي من الإفلاس عبره

 ذراعي فيـه من فقرى مقص       ورزقي خارج مـــن عين أبره[20].

أما الحلاق الذي سميت المقامة باسمه، ولم نتحدث عنه بعد أنه كسائر أفراد حرفته رجل ثرثار وطفيلي، غريب وطماع، يتدخل في أمور الغير وينتهي به الحال إلى أن يجر من أحسن إليه إلى أحرج المواقف، وهو في هذا يذكرنا قليلا بقصة حلاق أشبيلية.

وفي رسالة بعث بها محمد بن الطيب العلمي إلى أحد أدباء مكناس، كان قد اعترض عليه في إحدى مرثياته التي جاء فيها:

إن تمت يا محمد اليوم لا تعتب      فمن قبل ماتت الأنبياء.

فأنكر الأديب المكناسي الفاضل كلمة العتب من هذا البيت وقال: الإتيان بها غير مباح، وزعم أن ارتكابها من الخطأ الصراح[21]، فكتب إليه العلمي رسالة تدل على سعة اطلاعه ومقدرته الفائقة في النقد الأدبي: ” .. فقد بلغني أنك طالعت قصيدتي العديمة النظير، الفائقة الدر النثير والروض النضير، المنظومة على الارتجال، بشهادة عدة من الرجال، فأنكرت كلمة العتب من ذلك البيت، الموضوع لتحلية الميت، وأنى أقول: لو تزودت شيئا من المعقول، أو طرفا من المنقول، لتأملت قبل أن تقول، واخترت التسليم لأهل العقول، وهب ذلك الخطأ قد كان وتصور فيه الإمكان، فالإنسان لا تؤمن عثراته مصائبه، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه، وقد ذكرت في إيرادك، المبنى على مرادك أنى جعلت الميت ممن لم يرض بالوفا، ولم يقتد فيه بمن فات، وأن ذلك حمله على عتاب من أماته، حيث لم يطل حياته، فنهيته عن ذلك العتاب بهذا الخطاب، وقد حملتني في ذلك إثما كثيرا، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قلت: وهذا من العبيد الذي لا يمكن أن يقصد، وتأويله لا ينكر أبدا ولا يجحد، وذلك قولي “لا تعتب” نعني على الموت الذي أصاب، فالكل به مصاب، لا على رب الأرباب، ومع ذلك فهي هنا مصروفة عن معناها الذي له وضعت، كما وردت في أشعار القوم وشيعت، قال شاعرهم.

لا تعتبني يا هند إن مت       فكلما حي إلـــى الموت

أخذه من قول الآخر:

دع العتب يا سلمى فإن ذقت موتة         فهـــــذا دعــــــاء للـــــبرية شامــل

وقرينة السياق تنفي ذلك المعنى البعيد، وتعين الوجه الذي أريد..[22] يا سلام عليك يا علمي!!! 

كذلك كان هذا الرجل الفاضل الذي عاش حياة مضطربة ومات مبكرا (1134/1721)، لم يمنعه ذلك من أن يكون أحد أكبر رجال الأدب، ليس في عصر المولى إسماعيل فحسب بل عبر عصور المغرب كلها، وأن تعريفا مختصرا كهذا لا يمكن بحال أن يوفي هذا الرجل الفاضل حقه. رحم الله العلامة العلمي وجازاه عن المغرب والأدب خيرا. والله الموفق للخير والمعين عليه..



—————————————————

1. ومع ذلك لم ييأس الباحثون من العثور على المؤلفات الأخرى لابن الطيب العلمي أو على بعضها على الأقل، وهكذا عثر على كناشته العلمية التي كانت في ملك ع الكتاني، وهي اليوم بالمكتبة العامة بالرباط عدد 2249ك، وتحتوي على 29 بيتا لم تنشر بعد، ص: 17 – 19.

2. المقطع المتعلق بالموسيقى في الأنيس، ص: 173- 178 يدل على معرفة المؤلف لهذا الفن، معرفة تامة.

3. وليس “العشرة” كما جاءت عند عبد الله كنون النبوغ، 1: 315 انظر، م. القادري، نشر، 2: 204، النقاط ورقة 62 ظ، وقد وقع في نفس الخطأ، م. عفيفي في مجلة التربية الوطنية، عدد 2 و 3، أبريل 1963، ص: 30.

4. م. العلمي الأنيس ص: 2-30.

5. م العلمي، الأنيس، ص: 3- 6 تحتوي القصيدة الأولى على 31 بيتا، والثانية على 18 بيتا، والثالثة على 13 بيتا.

6. المصدر السابق، ص: 3.

7. م العلمي الأنيس ص 349-350.

8. ج بيرك الأدب المغربي والشرق في القرن 18 ص: 311- 312 ويتعلق الأمر بكتاب الحلل للحلبي.

9. نفسه.

10. م العلمي الأنيس ص: 97.

11. م العلمي الأنيس ص: 4.

12. نفسه ص: 5.

13. انظر الكلام عليه عندك ك بروكلمان تاريخ الأدب العربي، 1: 132 و 437.

14. م العلمي الأنيس، ص: 229.

15. م العلمي، الأنيس، ص: 310.

16. ع كنون النبوغ، 3: 312 – 313.

17. ل بروفنسال شرفاء، ص: 297.

18. م العلمي، الأنيس، ص: 262.

19. المصدر السابق، ص: 263.

20. المصدر نفسه.

21. المصدر السابق، ص: 308.

22. م. العلمي، الأنيس، ص: 308، وما بعدها.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها