القصيدة المولدية بالمغرب

يكاد يكون فن المدح أكثر فنون الشعر العربي إبداعا، بما توفر لدى الشعراء من بواعث فنية أو نفعية، أتاحت للقصيدة المادحة نقل عاطفة الإعجاب، بسبب ما تثيره في النفس من انفعالات تبعث على نظم الشعر من جهة، وبما هلا من صدق الشعور والإخلاص في التعبير عما يعتمل في خواطر الشعراء من جهة أخرى

المختار السوسي ومشروع الثقافة الوطنية

هناك أناس تركوا دويا ما يزال صداه يتردد، وما تزال الأجيال تستفيد من عطائهم وتتزود مما خلفوا من آثار.. منهم العلامة محمد المختار السوسي الذي كان مؤسسةً وحدَه، وقد وجد تاريخ سوس وتراثه يعاني الإهمال والتهميش، فنذر نفسه لخدمة العلم السوسي، ومن خلاله العلم المغربي والعلم العالمي..

عبد الله كَنّون مدافعا عن اليوسي

كم هو جميل ورائع أن نتقن عناصر ثقافتنا وحضارتنا بشكل يجعل معيشنا وحضورنا في العالم يتم وفق أرقى مستويات الوعي بالطبيعة والتاريخ. ولاشك أن استيعاب معطيات الثقافة الوطنية من شأنه رفد الحياة بالخبرات الضرورية للحياة الكريمة كما يحفظ هيبة الوطن في أفق الانتقال من القوة بالقوة إلى القوة بالفعل..

 
 
علماء أدباء
شرف الدين البوصيري



د جمال بامي

مدير وحدة العلم والعمران


ولد الإمام شرف الدين  البوصيري سنة (608 هـ/ 1212م) بقرية بوصير، وهو اسم لأربع قرى بمصر كما حدد ذلك ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان، انتقل إلى القاهرة والتحق بمسجد الشيخ عبد الظاهر حيث درس العلوم الدينية وشيئا من علوم اللغة كالنحو والصرف والعروض كما درس الأدب وجانبا من التاريخ الإسلامي خاصة السيرة النبوية وربما يكون قد درس بمساجد أخرى[1].

ينتمي البوصيري إلى مصر واسمه الكامل أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد محسن بن عبد الله بن صنهاج، بن هلال الصنهاجي[2]، نسبة إلى صنهاجة القبيلة المغربية المعروفة.

درس البوصيري التصوف على شيخه الإمام أبي العباس المرسي، تلميذ الإمام الشاذلي وتلقى عنه هو وابن عطاء الله صاحب الحكم، وكانت بينه وبين تلميذه البوصيري علاقة ود كبيرة، وقد اشتهر البوصيري بانفتاح كبير على كتب أهل الكتاب، إذ كان يطالع في كتب النصارى واليهود فحصل من ذلك ثقافة واسعة جعلته يناقش مقولاتهم بكثير من العمق والدراية.

عاش الإمام البوصيري ظروفا صعبة ومحنا كبيرة، وكان زاهدا من أهل الهمة والقناعة، وقد ابتلي بالفقر الشديد مع كثرة العيال وسوء أخلاق زوجته وذويها، ولكنه لم يكن متبرما بسبب ذلك؛ لأن تعاليم الصوفية سدت منافذ اليأس في نفسه وفتحت أبواب الرجاء والتعالي عن أغراض الدنيا بتعبير المرحوم الأستاذ عبد الصمد العشاب في كتابه حول الإمام البوصيري (جمعية التضامن الإسلامي 2003).

إن هذا الأمر مما يحسب للبوصيري الذي كان يشتكي من الفقر وكثرة الأولاد؛ لأنه تورع عن تقلد مهمة المحتسب، ولو عرضت على غيره في مثل وضعيته ما كان ليتأخر عن تقلدها وهو الذي صور درجة فقره بقوله:

كيف وصــــولي إلــــى الدجــــاجة        والبيضـــــة عنـــــدي كـــأنـــها بــدنة

وقد وصف لنا البوصيري أخلاق نفسه في إحدى قصائده فقال:

إلـى الله أشــــكو أن صــــفو مودتي        علـــــى كــــدر الأيـــــام لا تتـــــكدر

وإن أظهر الأصحاب ما ليس عــندهم        فإني بما عندي مــــن الــــود مظـهر

وإن غرست في أرض قــــلبي محبة        فليس ببعــــض آخـــــر الـــدهر تثمر

ويملكني خلق على السخط والـرضا        جميل كمثل الـــبرد يطـــوي وينتشر

وقلب كمــــــثل البـــــحر يعلو عـبابه        ويزخـــــــر مــن غــــيـظ ولا يتــــــغير

إذا ســـــــــئل الإبريزَ ســـال لـــعابه        ويصفــــــو بمــــــا يصفو عليه ويظهر

وما خلقي مدح اللئـــــيم وإن عــلت        لـــــــــه رتــــب لا إننـــــي متـــــكبر

ولا ابتـــــغي الدنــــــيا ولا عـرضا بها        بمدحي فإنـــــي بالقنـــــاعة مــكثر

ليعــــــلم أغنــــــى العـــالمين بأنـه        إلــــــى كلمــــي مني لــدنياه أفـقر

وأبسط وجهي حين يقـــــطب وجهه        فيحسب أني موســــــر وهو معسر

أأنظم هذا الدر فــــي جــــيد جاهل        وأظــــــــلمه إنـــــــــي إذا لمبـــــذر

ولم ترني للمـــــال بالمــــــدح مؤثرا        ولكـــــنني لـــلود بالـــــمدح مـــــؤثر

عاصر الإمام البوصيري الشاعر الكبير الصوفي عمر بن الفارض ( تـ 732 هـ) وابن مطروح (تـ 654) والبهاء زهير (تـ 656). كما روى عن البوصيري شعره إمامان من أهل الأندلس هما أبو حيان (تـ 745) وأبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري، (تـ 734) وأخذ عنه العز بن جماعة (تـ 793) وغيره..

كان عمل البوصيري في مراقبة الضيعات ومباشرة الفلاحين، وقد تعرض لدعابة الناس وسخريتهم أحيانا؛ لأنه كان قصيرة القامة، ولم يكن هو نفسه يخلو من دعابة فقابل خصومه بالهجو اللاذع، وباشر موضوعات الشعر كلها قبل أن يستقر على موضوع واحد وهو مدحه للنبي "صلى الله عليه وسلم"؛ وبه سيعرف عبر قصيدتيه ذائعتي الصيت: البردة والهمزية..

يقول الأستاذ المرحوم عبد الصمد العشاب في كتابه حول الإمام البوصيري: إن هذا المدح المبارك للرسول الكريم هو "الذي فجر ينابيع الشعر عنده مقرونا بالإخلاص والحق، وكان قبل ذلك شاعرا قوالا في كل مجالات القول، وكان مفكرا عرف الحياة بكل تقلباتها والمجتمع بكل تناقضاته عبر عن ذلك في بعض أشعاره ومنه هذه الأبيات من قصيدة طويلة:

نقــــدت طـــوائف الــــمســتخدمينا         فلــــــم أرى فيــــهم رجـــــــلا أمينا

تفقـــــهت القضـــاة وخــــان كــــــل         أمـــــانتـــــــــه وســــــموه الأمـــينا

وما أخـــــشى عـــــــلى أموال مصر         ســوى مــــــن معـــــشر يتأولـــــونا

وفي هذه القصيدة أيضا يصور تنازع الموظفين من المسلمين والقبط واليهود على أكل أموال الناس:

يقول المســـــلمون لـــــنا حــــقوق         بهــــــا ونحـــــن أولـــــى الاخـــذينا

وقـــــال القبـــــط نحــــن ملوك مصر         وأن سواهم هــــــم غـــــاصــــــبونا

وحلــــلت اليهـــــود بحـــــفظ سبت         لهــم مال الطـــــوائف أجــــمعـــــينا

يرى صاحب فوات الوفيات أن شعر البوصيري في غاية الحسن واللطافة، عذب الألفاظ منسجم التركيب ولعله يقصد بذلك قصائده في المديح النبوي، والشيخ محمد الشاذلي النيفر يرى أن أكبر ظاهرة في شعره السهولة والعذوبة، وتسهيل الشعر مما شاع في عصره وأما ذلك البهاء زهير.

وهناك من يعزو ارتفاع نفس البوصيري الشعري في البردة إلى كون ذلك كان نفحة نبوية، ويذكر ابن حجر الهيثمي، أن البوصيري كان من عجائب الله تعالى في النثر والنظم. أما الدكتور زكي مبارك فيرى أن البوصيري كان شاعرا ظريفا تجري في شعره النكت المستملحة، وفي شعره وصف للحياة الاجتماعية في عصره.. وهذه مسألة غاية في الأهمية في مجال التأريخ الاجتماعي.

يفيدنا المرحوم عبد الصمد العشاب في كتابه حول الإمام البوصيري أن هذا الرجل المبارك كان شاهد عصره، وعصره هو القرن السابع الثالث عشر للميلاد وقد صور رؤية واضحة لعصره من خلال نماذج متعددة، نذكر منها نموذج المحتسب المتهالك على الناس في الأسواق، يضرب هذا و يسلب هذا والناس قد امتلأوا غيضا من ظلمه، وكان أحد الأمراء قد عرض وظيفة الحسبة على البوصيري فأباها، وأنشد في ذلك قصيدا جمع بين الاعتذار عن قبول الوظيفة ومدح الأمير وتصوير المحتسب في نظر الناس آنذاك:

تالله يــرضــــى فضـــلي ولا أدبــــي        ولا طبـــاعـي فـــي هـــذه السبـــه

اجــــــلس والنــــاس يهـــرعون إلى        فعلى في الســوق عصـــــبة عصبة

أوجــــع زيـــــدا ضـــــربا وأشــــــبعه        سبا كأنـــــي مـــــرقص الدبّــــــــــه

ويكتســـب الغيـــــظ مقلتي وخداي        احمـــــــرار كزامــــر القـــرابـــــــــــة

كان شعر البوصيري، خصوصا في المديح النبوي، مفعما بالأبيات الحكمية التي سارت بها الركبان، وحفظتها الألسنة وعلقت بالجنان بتعبير الفاضل المرحوم عبد الصمد العشاب، وذلك مثل قوله في الهمزية:

وإذا حـــلــــــت الهـــــــدايــــة قلــــبا          نشطـــت فــي العـــــــبادة الأعــــضاء

وإذا ضلـــت العقـــول عـــــلى علــــم          فمـــــــاذا تقــــــــولـــه النــــــصــــحاء

ومثل قوله في البردة :

والنفس كالطفل أن تلهمه شب على          حب الرضـــــاع، وأن تفــــطمه ينفطم

وقد تنكر العين ضوء الشمس من رمـد          وينكر الفم طعـــم الـــماء مـــن سقم

ومن يبيع أجـــلا مـــنه بعاجلــــــــــــه          يبن له الغبن في بيع وفــــي ســــلم

 

ابتدأ البوصيري حياته الأدبية بما بدأ به كل الشعراء من التقرب إلى الولاة وأهل اليسر استجداء لفضلهم، واستجلابا لمعونتهم، ولكنه لما دخل في طريق القوم عافت نفسه تلك الحياة، وانصرف إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم ومدح آل البيت، كما انصرف إلى مدح رجال التصوف من معاصريه وأساتذته كأبي العباس المرسي، وأبي الحسن الشاذلي رحمة الله عليهم أجمعين..

سلك البوصيري طريق التصوف عن علم ودراية بأحوال القوم؛ فقد كان تلميذا لأبي العباس المرسي، وأبو العباس كان تلميذا لأبي الحسن الشاذلي ومن يقرأ قصيدة البوصيري التي يمدح فيها المرسي ويعزيه في وفاة أبي الحسن الشاذلي يدرك مدى دراية البوصيري بأسرار التصوف..

لكن تجلي صدقه الذي أعطاه الشهرة والتقدير على مدى ثمانية قرون تمثل في مدائحه الرائقة التي خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي مكنت البوصيري من ناصية المجد الأدبي والأخلاقي ورفعته إلى منزلة قل نظيرها..

يقول العلامة أحمد بن حجر الهيثمي في مقدمة شرحه على الهمزية: "وإن أبلغ ما مدح به النبي صلى الله عليه وسلم من النظم الرائق البديع وأحسن ما اكتشف عن كثير من شمائله من الوزن الفائق المنيع، وأجمع ما حوته قصيدة من مآثره وخصائصه ومعجزاته، وأفصح ما أشارت إليه منظومة من بدائع كمالاته، ما صاغه التبر الأحمر، ونظمه نظم الدر والجوهر الإمام شرف الدين البوصيري رحمه الله.

ويذكر الشيخ محمد الشاذلي النيفر في محاضرة ألقاها بتونس العاصمة سنة 1953: أن شعراء القرن السادس وما بعده التزموا طرق الأبواب المعهودة في الشعر من مدح وهجاء وفخر ورثاء، وتميز المدح عندهم بصفة الطمع واستجداء الممدوح، واستجلاب ما عنده من جزاء مادي، وخرج عن هذا التقليد الشعراء الذين امتدحوه صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم ابتدعوا نوعا جديدا وفتحوا فتحا مبتكرا في أغراض الشعر، وكان شعر الإمام البوصيري في موضوع المديح النبوي أقوى من غيره؛ لأنه امتاز بالعاطفة وهي عامل كبير من عوامل التأثير والامتياز، ثم إن هذه القوة ليست في البردة وحدها بل في الهمزية كذلك بل هي فيها أجلى من البردة، ويتحدث الشيخ الشاذلي النيفر عن أسلوب البوصيري في المديح النبوي،  فيصفه بأنه أخاذ وجذاب مع حسن الانسجام وانتقاء الألفاظ وتسلسل المعاني وخفة الروح: "فهو يضع الألفاظ كالوشي الذي يزين الأرض مع كونه طبيعيا كذلك هنا؛ فإن الطبيعة منبثة في أسلوبه أيما انبثات". يقول الفاضل المرحوم عبد الصمد العشاب في كتابه البوصيري شاعر المديح النبوي (مطبوعات الجمعية المغربية للتضامن الإسلامي، 1999): "نلاحظ أن موضوعات المديح النبوي في قصائد البوصيري لا تكاد تختلف، فمن تشوق إلى المقام النبوي إلى ذكر أخلاقه وشيمه، وطائفة من غزواته، إلى الدفاع عن العقيدة الإسلامية ومقارعة المناوئين من اليهود والنصارى بالحجج الدامغة على صدق نبوة محمد وتكذبيهم لأنبيائهم بل وتحريفهم لما جاء به أنبيائهم، ويتجلى ذلك في كل قصائده ومنها قصيدته الدالية التي سماها "تقديس الحرم من تدنيس الضرم" وتمتاز بهذا المطلع الإيماني الجميل:

ألا هي على كل الأمور لك الحـمد        فليس لما أوليت مــــن نعــــم حـد

لك الأمر من قبــــــل الزمان وبـعده        ومالك قـــــبل كالـــــزمان ولا بـــعد

وحكمت ماض فــي الخـــلائق نافذ        إذا شئت أمــرا ليـــس من كونه بد

تضل وتهدي مـــن تشاء من الورى        وما بيد الإنســـان غـــي ولا رشــد 

وقع الاهتمام  بقصيدي البردة والهمزية حفظا وإنشادا، وكان لهما في ميدان التأليف حظ وافر لم يكتب لنص شعري آخر إلا في النادر المعدود على رؤوس الأصابع. وحظيت قصيدة البردة بالعناية الكبيرة وإن كان ذلك لم يقلل من أهمية الهمزية: ندرك ذلك من كثرة الشروح التي وضعت على البردة وكثرة المعارضات والتخميسات والتسبيعات والتسميطات التي تناولتها، وأيضا حتى على مستوى اهتمام الناس بها نرى البردة تتصدر مجالس الذكر في الاحتفالات الدينية، وكذا الاحتفالات الخاصة في المنازل والمساجد وغيرها، وهذا مظهر من مظاهر انصهار هذه القصيدة المباركة في النسيج الاجتماعي المغربي، إيمانا وفنا وذوقا، وحضارة..

يقول الدكتور زكي مبارك في "المدائح النبوية في الأدب العربي" عن أثر البردة في الجماهير: "نستطيع الجزم بأن الجماهير في مختلف الأقطار الإسلامية لم تحفظ قصيدة مطولة كما حفظت البردة. فقد كانت ولا تزال من الأوراد تقرأ في الصباح وتقرأ في المساء، وكنت أرى لها مجلسا يعقد في ضريح الحسين بعد صلاة الفجر من كل يوم جمعة وكان في ذلك المجلس تأخذ بمجامع القلوب.

يضيف الدكتور زكي مبارك في نفس الكتاب: "وكان علماء الأزهر الشريف يعقدون حلقات كل يومي خميس وجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة ثم يضيف: "لنتذكر أنه مضت سنوات لم يكن يعرف فيها الأزهر كيف تكون دروس التاريخ الإسلامي. فكانت البردة وشرحها مما يسد النقص الفاحش في معهد ديني يجهل أهله غزوات الرسول.." يا سلام..

ولم يقتصر هذا الأمر على مصر والمغرب بل تعداه إلى الشام والحجاز واليمن فاشتهرت البردة بهذه الأقطار شهرة كبيرة. ومعلوم أن قصيدة البردة تحتوي على مائة واثنين وثمانين بيتا، وقد تزيد هذه الأبيات أو تنقص حسب الروايات أو الطبعات التي طبعت ما بين مغربية ومشرقية، ومن الطبعات ما فيها زيادات تشمل على غلو ومغالاة، ولعل تلك الزيادات هي التي جعلت بعض المتسرعين ينبز البوصيري بالغلو في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.

والبردة من القصائد الطوال تتركب في نسيجها العام من عناصر كالتالي:  النسيب، والتحذير من هوى النفس، والمديح النبوي والحديث عن مولده عليه الصلاة والسلام، والحديث عن معجزاته ثم عن القرآن الكريم والإسراء والمعراج ثم الجهاد، والتوسل والمناجاة وهو ختام القصيدة.

وتختلف البردة عن الهمزية في كون صاحبنا البوصيري قد دخل مباشرة في موضوعه بالنسبة لقصيدة الهمزية دون مقدمات كما فعل في البردة حيث افتتحها بذكر منازل المحبوبة وتسوقه إلى معاهدها وانسياقه إلى هوى نفسه ضاربا عرض الحائط بكل نصيحة تسدى إليه ابتعادا عن هواه العذري:

محضتني النصح لكن لست أسمعه         إن المحب عن العــــذال في صمــم

 لكنه يستدرك قائلا:

ظلمت سنة مــــن أحـــيا الظلام إلــى         أن اشتكت قـــدماه الضــــــــر مـن ورم

 ثم يدخل مباشرة بعد ذلك في صميم المديح النبوي:

وشد مــــن سغب أحشــاءه وطــــــوى         تحـــــت الحجارة كشـحا متــــرف الأدم

وراودته الجـــــبال الشـــــــم مـن ذهب         عـن نفســـه فأراها أيمــــــا شـــــــمم

وأكــــدت زهيــــده فيهــــــا ضـــــــرورته         إن الضرورة لا تعــــــــدو علــــى العـصم

وفي البردة يبرز البوصيري باقتدار كبير أهم القيم الإنسانية والأخلاقية التي ميز الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم.

محــمد ســـــيد الكــــونين والثــــــقلين         والفـــــريقين مــــن عـــــرب ومن عجـم

فــاق النــبيئين فــــي خلق وفي خـلق         ولم يــــدنواه فــــــــي عـــــلم ولا كــرم

فهو الـــــذي تـــــم معــــناه وصــــــورته         ثم اصطــــفاه حبيبا بـــــــارئ النــــسم

منزه عـــن شريك فــــي محــــــــاسنه         فجـــــوهر الحـــــسن فيه غير منقـسم

أكـــــرم بخــــلق نبـــــــي زانه خـــــلق         بالحـــــسن مشتــــمل بالبشر مــتسم

كالزهر في ترادف والبـــــدر فــي شرف         والبحر في كرم والدهــــــــر فــي هـمم

كأنما اللؤلؤ المكـــــنون فــــــــي صـدف         من معدني منــــــطق منـــــه ومبتسم

إلى أن يخلص شرف الدين إلى  طلب الشفاعة وتصوير شدة تعلقه بالجناب النبوي:

ومن تكـــــــــن بــــرسول الله نـــــصرته         إن تلقه الأســــد فـــي آجـــــامها تجم

خــــــــدمته بمــــــديح أســــتقبل بـــه         ذنوب عمر مضى فــــي الشعر والخـدم

إن آت ذنبا فـــــما عــــهدي بمنتــــقض         مــن النبـــي ولا حــــبلي بمنـــــــصرم

فــإن لـــــــي ذمة منـــــه بتســــميتي         محمــــدا وهـــــو أو في الخلق بالـذمم

يا أكــــرم الــــر سل مالــي من ألوذ به          ســـــواك عــــند حلول الحـــادث العمم

يقول الفاضل المرحوم عبد الصمد العشاب في كتابه البوصيري شاعر المديح النبوي: إن المدائح النبوية عند البوصيري تمتاز بصدق التعبير وبالعفوية، فلا تصنع، ولا مصانعة وهو الأمر الذي جعلها حبيبة إلى النفوس، محببة إلى القلوب، ولعله هو السر الذي أعطاها حسن القبول وسعة الشهرة، وكيف لا يكون لها ذلك وها هو في البردة ينهي بحسن ختام ليس أجمل منه في هذا الموضوع وذلك حينما يقول:

يـــا نــفس لا تقنطـي مــن زلة عظمت         إن الكبــــائر كالغفـــران فــــي اللـــمم

لعل رحمة ربـــــي حيـــــن يقســــمها         تأتي على حسب العصيان في القسم

يا رب واجعل رجـــائي غـــير مـــنعكس         لديك واجعـــــل حســــابي غير منـخرم

والطف بعبــــدك فــــــــي الدارين إن له         صبرا متى تــــــدعه الأهــــوال ينــــهزم

وائذن لســـــحب صــــــــلاة منك دائمة         على النبـــــــي بمنـــــهل ومنــــسجم

ما رنحــــت عــــذبات الـبان ريح صـــــبا         وأطرب العيس حادي العيس بالــــــنغم

يقول  زكي مبارك في كتابه المدائح النبوية في الأدب العربي، ".. والبوصيري بهذه البردة هو الأستاذ الأعظم لجماهير المسلمين، ولقصيدته أثر في تعليمهم الأدب والتاريخ والأخلاق، فعن البردة تلقى الناس طوائف من الألفاظ والتعابير غنيت بها لغة التخاطب، وعن البردة عرفوا أبوابا من السيرة النبوية.. ".

ويقول أيضا في نفس الكتاب: "تعد قصيدة البردة أهم القصائد بين المدائح النبوية، فهي أولا قصيدة جيدة وهي ثانيا أسير قصيدة في هذا الباب، وهي ثالثا مصدر الوحي لكثير من القصائد التي أنشئت بعد البوصيري في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم".

وقد أثبت العلامة أحمد بن حجر الهيثمي (تـ 973 هـ) عن قصيدة البردة بقوله: "ولو لم يكن له إلا قصيدته المشهورة بالبردة، والتي كانت سببا في شفائه من الفالج الذي ألم به لكان ذلك كافيا وقد ازدادت شهرتها إلى أن صار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد".

وفي كشف الظنون لحاجي خليفة نقرأ أن "قصيدة البردة هي المشهورة بين الأنام ويتبرك بها الخواص والعوام، حتى قرأت قدام الجنائز في المساجد.. وكتبوا عليها من التخميسات، والتسبيعات، والنظائر ما لا يعد، ذكر السهراني أنه رأى خمسة وثلاثين تخميسا جمعها بعض العلماء ورأى تسبيعا عجيبا مبدوءا من أوله إلى آخره بلفظ الجلالة للشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله المكي. 

يعلق المرحوم عبد الصمد العشاب في كتابه البوصيري شاعر المديح النبوي بقوله: هذا هو الشاعر البوصيري في بردته، أما في قصيدته الهمزية فإنك عندما تقرأها تلمس طول باع الرجل في العلم بأطوار السيرة النبوية، وبتفقهه الكبير في اللغة وإيراد الغريب منها والمعهود، ثم تمعن فيما قاله في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يجد شيئا من الغلو الذي شأنه بع بعض المتزمتين لدرجة أنهم حرموا على المؤمنين قراءتها، ولا ترى فيها تزيدا ولا افتراء..

توفي شرف الدين البوصيري بالإسكندرية (سنة 696هـ/1296م) بعد أن أدى فريضة الحج، رحمه الله وجازاه عن الإنسانية خيرا. والله الموفق للخير والمعين عليه.

--------------------------------------------------------------

1. مقدمة ديوان البوصيري للأستاذ محمد كيلاني.

2. أحمد بن حجر الهيثمي والشيخ بنيس في شرحيهما على الهمزية والأعلام للزركلي.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها