أبو العلاء إدريس العراقي

استمرارا في التعريف بالفهارس المغربية ومؤلفيها، وعلاقة ذلك بالحركة العلمية والفكرية والعمرانية نتعرف في هذا المقال على علم من أعلام المغرب الكبار خلال العصر العلوي، يتعلق الأمر بالحافظ الكبير أبي العلاء إدريس العراقي الفاسي..
قال ابن الطيب القادري في "الدر السني فيمن بفاس من أهل النسب الحسني" عن العراقيين الواردين إلى محروسة فاس: "وهم من مشاهير الشرفاء، وجماهير الفضلاء، ممن لحظهم الخاص والعام، بالإجلال والإعظام، ممن عدهم من المشاهير الذين لا يرتاب في شرفهم اثنان، الشيخ الإمام المحقق الراوية النسابة، شيخ الإسلام، وقدوة الأنام، أبو عبد الله سيدي محمد بن قاسم القصار رحمه الله، وناهيك به، وذكرهم الشيخ العلامة المتقن أبو عبد الله محمد العربي الفاسي رحمه الله، وقفت على نسبه مقيدا بخطه.. ".

محمد ابن قاسم القادري

 آثرت في هذه الحلقة التعريف بعلم كبير ينتمي إلى السادة القادريين، وهو صاحب فهرس: "إتحاف أهل الدراية بما لي من الأسانيد والرواية". يتعلق الأمر بالعلامة سيدي محمد ابن القاسم القادري.. والبيت القادري بيت شرف وعلم، ومجد وفضل، تعدد فيهم العلماء والصلحاء عبر تاريخ المغرب..

عبد الواحد السجلماسي

قد آثرت في هذه الحلقة أن أعرف بعلم من أعلام المغرب الكبار خلال القرن العاشر الهجري ومن خلاله التعريف بفهرسه الثمين الإلمام ببعض من لقيته من علماء الإسلام، يتعلق الأمر بالعلامة عبد الواحد السجلماسي.. هو عبد الواحد بن أحمد بن محمد الشريف الحسني السجلماسي

 
 
الحركة الفكرية عبر الفهارس
أبو الربيع سليمان الحوات



د. جمال بامي
مدير وحدة العلم والعمران

من الكتابات المشهورة في التأريخ لأسرة من أسر العلم الكبرى ببلدنا المبارك كتاب الروضة المقصودة في مآثر بني سودة، وهو كتاب في التعريف بإسهام هذه الأسرة المباركة في بث أخلاق العلم والصلاح بالمغرب، أما صاحبه فهو الفقيه الصوفي الفاضل سيدي أبو الربيع سليمان الحوات، وقد آثرت في هذه الحلقة أن أعرف به وبإسهاماته العلمية الجليلة، ولا شك أن هذا التعريف سيلج بنا –على عادة المنهج المتبع في هذه المقالات- إلى عوالم الحركة الفكرية والعلمية وعلاقات كل ذلك بالعمران والاجتماع الإنساني بفضل من الله..

يقول الفاضل عبد الحق الحيمر محقق فهرسة الحوات المسماة "ثمرة أنسي في التعريف بنفسي" في مقدمة تحقيقه: هو سليمان بن محمد بن عبد الله بن محمد الحوات العلمي الحسني، يكنى أبا الربيع، والظاهر أن هذه الكنية لازمته تبعا لاسمه سليمان جريا على التقليد المعروف في الأسماء والكنى العربية، إذ لا يعرف له ولد اسمه "الربيع".. أما لقبه فهو الحوات، وقد ورثه عن سلفه الولي أبي عمران موسى بن الحسين، وهو الجد الرابع له القادم على شفشاون، وسبب تلقيبه به أنه اصطاد حوتا ببلاد غمارة لم يشاهد الناس مثيلا له، فلقبوه به، وقالوا له الحوات، فجرى هذا اللقب عليه في حياته، ثم على أعقابه من بعده، ومنهم المؤلف..

ولد سليمان الحوات بمدينة شفشاون يوم الجمعة احد أيام رجب (عام 1160هـ / 1747م)، مات والده وتركه صبيا لم يتجاوز الشهر السادس من عمره فبقي تحت كفالة أمه، إذ أن جميع إخوانه ماتوا في حياة أبيه، أو بعده بقليل وقد كانت أسرته تعيش مما تدره عليها أملاك السيد الوالد وأصوله بشفشاون غيرها، وقد فتح الصبي عينيه على هذه الأسرة الصغيرة المكونة من أمه وجدته، ومن عبد مملوك خلفه والده اسمه صهيب (تـ 1199هـ) وقد كان لهذا المملوك أثر في نفسية المؤلف وحياته إذ كان هو الساهر على أملاك الأسرة وصيانتها واستغلالها، وهو الذي تكفل بحمله إلى الكتاب أولا، ثم رحل به ثانيا إلى فاس في أول قدومه عليها للدراسة (عام 1180هـ) [1].

ترجم سليمان الحوات لنفسه في فهرسته: ثمرة أنسي في التعريف بنفسي، كما تُرجم في عديد المصادر نذكر منها: السر الظاهر في من أحرز بفاس الشرف الباهر، من أعقاب الشيخ عبد القادر له ملزمة 11 ص: 5 "ط حجرية بفاس"، وقرة العيون في الشرفاء القاطنين بحومة العيون، مخطوط بالخزانة الوطنية (الرباط 1481 ورقة 32)، والروضة المقصودة والحلل الممدودة في مآثر بني سودة، مطبوع بعناية الفاضل عبد العزيز تيلاني، تحدث فيه عن نفسه في مواضع متفرقة، والترجمانة الكبرى لأبي القاسم الزياني، (ص: 545 / 547)، تحقيق عبد الكريم الفيلالي (نشر وزارة الأوقاف 1967م)، وسلوة الأنفاس لمحمد بن جعفر الكتاني، والدرر البهية لإدريس الفضيلي، (2/95 –96، ط حجرية فاس 1314هـ)، وشجرة النور الزكية لمحمد مخلوف، (1349 بيروت)، ومعجم المؤلفين لرضا كحالة (4/275 نشر دار إحياء التراث العربي بيروت)، والوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى للعلامة سيدي محمد بن تاويت (3/869 – 871 ط سنة 1984)، وتاريخ المفتري عليه في المغرب لعبد الكريم الفيلالي (ص: 02، ط الرباط 1969)، ومؤرخو الشرفاء للداهية ليفي بروفنصال (ص: 244 ترجمة عبد القادر الخلادي ط الرباط 1977)، وتاريخ الشعر والشعراء بفاس لأحمد النميشي (ص 86 ط أندري فاس 1343هـ، وأعلام الزركلي 3/167 ط 3)، وأحمد العراقي في "مقدمة تحقيق أرجوزته كشف القناع: (مجلة المناهل ع: 27، ص: 319 – 324).

ذكر سليمان الحوات في ثمرة أنسي في التعريف بنفسي من شيوخه نحو العشرين أخذ عن ستة منهم ببلده شفشاون، وعن الباقين بمدينة فاس، وقد تجاوزت علاقاته مع بعضهم حد الأخذ والتلمذة إلى الصداقة والود،  وقد ظهر ذلك في أمداحه فيهم ورثائه إياهم، وفيما ألف في بعضهم من كتب، مثل كتاب الروضة المقصودة في مآثر بني سودة الذي أطنب فيه في التعريف بالعالم الكبير محمد التاودي بن سودة.   باستثناء شيخ واحد، هو أبو محمد عبد الكريم بن علي الزهني اليازغي، الذي ساءت علاقته به قبل قراءته عليه ثم تحسنت بعدما اتصل به ودرس عليه. رحمة الله عليهم أجمعين..

من خلال مرويات سليمان الحوات عن شيوخه وما قرأ عليهم من مؤلفات في مختلف الفنون يمكن تصنيف ما أخذه في: علوم الفقه والقراءات والتفسير والحديث والأصول وأحكام وتوحيد،  وعلوم أدبية من لغة ونحو وبلاغة وشعر وأنساب وتاريخ، وعلوم عقلية كالحساب والتوقيت والمنطق والطب، بالإضافة إلى علوم التصوف وطرقه وأسانيده وأهله وأسراره..

يقول عبد الحق الحيمر في مقدمة تحقيق ثمرة أنسي في التعريف بنفسي: وبذلك نستطيع تصور الأسس الثقافية التي قامت عليها شخصيته العلمية والأدبية فقد تسنى له أن يحيط بثقافة عصره المتعددة الجوانب، وأن يستوعبها أتم استيعاب، ويتمثلها أحسن تمثل مما أهله في ختام هذه المرحلة الدراسية أن يبدأ مرحلة جديدة من حياته هي مرحلة النضج العلمي والأدبي، والإنتاج في ميادين الإفتاء والتأليف  والتدريس قال: وجلست للتدريس بشفشاون وفاس، وأفتيت فيما أسأل عنه من نوازل الخصومات وغيرها بلا أجر بعد أن وقعت لي الإجازة العامة من معتبري أشياخي[2].

أما تلاميذ سليمان الحوات فكثر نذكر منهم: أبو العباس أحمد بن الطيب شقور العلمي (تـ 1234هـ) كان فقيها أدبيا أجازه المؤلف إجازة عامة ضمنها مروياته عن شيوخه بفاس، والعالم الشهير أبو محمد عبد القادر بن أحمد الكوهن (تـ 1254هـ) كان فقيها عالما له رحلة حجازية وفهرسة: إمداد ذوي الاستعداد إلى معالم الرواية والإسناد تحدث فيها عن مروياته وشيوخه، ومن ضمنهم المؤلف، وأبو الفضل العباس بن أحمد بن سودة (تـ 1241هـ) كان عالما فقيها تولى القضاء بفاس، وأبو العباس أحمد الحكمي (تـ 1226)؛ كان فقيها أديبا تولى القضاء بسلا ومكناس، شارك المؤلف في جل أشياخه وأخذ عنه علم العروض.

وقد عد أبو القاسم الزياني سليمان الحوات من شيوخ السلطان المولى سليمان الذين اعتبروا أنفسهم أصحابا له فقط لإقرارهم بالإفادة من دروسه وتقريراته..

ويبدو أن شهرة سليمان الحوات كشاعر قد شاعت بين الأوساط الأدبية في فاس خلال مرحلة الطلب، خصوصا وأنه نبغ في قرض الشعر وهو ابن عشرين سنة، ويبدو أيضا أن اسمه كان معروفا لدى الأمراء لذلك استدعوه للجلوس بحضرتهم في كل من فاس ومكناس كما في "فهرسة الحوات.. ". 

وخلال (سنة 1191هـ)، أصبحت علاقته وثيقة بالقصر الملكي، فقد أتاحت له الظروف أن يتعرف عليه السلطان سيدي محمد بن عبد الله ويقربه ويكلفه ببعض المهمات، وتقدم أن أبا القاسم الزياني اعتبره من أشياخ السلطان المولى سليمان الذين عدوا أنفسهم أصحابا له فقط ، لكننا لا نعرف بالضبط متى وأين تتلمذ عليه، ومن ثم؛ فإننا نجهل تاريخ أول اتصال له به، كل ما نعلم أن المؤلف كانت له علاقة متينة وجاه ومكانة لدى المولى سليمان، وأنه كان مع حمدون ابن الحاج ـ في طليعة الشراء الذين مدحوه وخلدوا مآثره ومفاخره في أشعارهم[3].

لم يكن سليمان الحوات ميالا إلى تولي أي خطة من الخطط، وقد عرضت عليه المناصب الكثيرة فعزف عنها واقتناعا بما كان لديه من مخلفات والده وإيثارا للسلامة والعافية[4] إلا أنه لما تقدمت به السن، وقل ما كان بيده من مال اضطر أن يقبل خطة نقابة الأشراف بفاس، بعد أن أسندها إليه السلطان المولى سليمان، وقد كانت مهمات هذه الخطة شائكة، ومشاكلها متعددة لكثرة أدعياء النسب النبوي في هذا العصر، ويبدو أن صاحبها قد مارس مهمته بحزم و صرامة، وأنه تصدى لكل دعي، فكثر أعداؤه وتعدد حساده والمتكلمون فيه والساعون به، وقد تبرم هو من هذه الحال في شعره :

كثر الحساد حتى خفتهم                فأنــــا بالله منهـــم عائذ

فــأنا بــالله، لله أنا               ولكــــل مــــا سواه نابذ

ويبدو أن السلطان بلغه في هذا الشأن ما بلغه، فرأى أن يخفف العبء عن المؤلف فأشرك غيره معه في هذه الخطة وتركه على رأسها، كما أفادنا بذلك محقق ثمرة أنسي في التعريف بنفسي.

ويتحدث سيدي محمد بن جعفر الكتاني في السلوة عن تولي المؤلف لهذه الخطة وما اضطلع به في شأنها فيقول: "وقد ولاه أمير المؤمنين أبو الربيع مولانا سليمان بن محمد العلوي نقابة الأشراف والنظر فيهم، فأحسن في ذلك السيرة، وحفظ حرمة الجناب النبوي، جزاه الله خيرا.. ".

 

ترك أبو الربيع سليمان الحوات عدة تآليف في مختلف الفنون نذكر منها في الآداب: شعره العام، وقد تطرق فيه إلى جل الأغراض التقليدية، وله ديوان الأمداح السليمانية، حققه الفاضل عبد الحق الحيمر نفس محقق ثمرة أنسي في التعريف بنفسي، وقد ضمنه أمداحه في السلطان المولى سليمان، وله جمع وتقديم ديوان أبي العباس أحمد عبد العزيز الهلالي السجلماسي، قام بتحقيقه الأستاذ عبد الله الهمس بجامعة فاس، وقد ضمن مقدمته مجموعة من الآراء النقدية في الشعر مع التعريف بصاحبه، وله خطبتان في الحث على الجهاد توجد نسخة خطية منها في مسجلاته ومراسلاته الأدبية توجد نسخة منها في المكتبة الزيدانية بمكناس، وفي الخزانة الحسنية بالرباط.

وله مقامة في الحساب، ورسائل: منها رسالة على لسان السلطان المولى سليمان موجه إلى الأمير سعود بن عبد العزيز يحثه فيها على الوقوف عند حدود الكتاب والسنة، ومنها رسالة وجهها إلى المؤرخ أبي القاسم الزياني في شأن مؤلفاته التاريخية التي بعثها إليه قصد إبداء رأيه فيها وهي مطبوعة في كتاب الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا..

ولسليمان الحوات في مجال التاريخ: البدور الضاوية في مناقب أهل الزاوية الدلائية، وموضوع هذا الكتاب هو التأريخ لهل الزاوية الدلائية مع ذكر مناقبهم وما قاموا به من أعمال..

وله كتاب الروضة المقصودة والحلل الممدودة في مآثر بني سودة. مطبوع بتحقيق الفاضل عبد العزيز تيلاني، وقد ألفه الحوات برسم شيخه أبي عبد الله محمد التاودي بن سودة، وله السر الظاهر فيمن أحرز بفاس الشرف الباهر، من أعقاب الشيخ عبد القادر، وقد طبع هذا الكتاب طبعة حجرية بفاس (سنة 1351هـ).

وله قرة العيون من الشرفاء القاطنين بحومة العيون، وهو تعريف بالشرفاء الدباغيين؛ وله أيضا المسك الأريج في نسب أولاد الدريج، وله تأليف في ترجمة شيخه أبي عبد الله محمد بن الحسن بناني، توجد نسخة خطية منه بخزانة محمد بناني بفاس، وتأليف في الناصريين أهل زاوية تامجروت بدرعة، وهو غير تأليف والده فيهم المسمى تحفة المعاصر في بعض صالحي تلامذة أبي عبد الله محمد ابن ناصر، وله تقييد في فضائل السلطان مولاي سليمان، وتقييد عن علاقة المغرب بالجزائر.

وله رسالة تاريخية جوابية حول من تولى وظائف الكعبة المكرمة منذ إسماعيل عليه السلام إلى عصر المؤلف، وله فهرسه المسمى ثمرة أنسي في التعريف بنفسي، وهو الفهرس الذي حققه الفاضل عبد الحق الحيمر.

كتب سليمان الحوات في الفقه كذلك، نذكر من كتاباته الفقهية: تغيير المنكر فيمن زعم حرمة السكر. وهو رسالة جوابية تقع في تسع ورقات ضمن مخطوطة الخزانة الحسنية بالرباط 12450، وله: حكم الحضور في مجالس الغناء والخمور، والباعث على تأليفه قوله: "لما رأيت الكثير من الفقهاء الأعلام يحضرون مجالس الغناء والرباب والطار، وأشعار الخمر والمرد، وغير ذلك مما للفساق فيه أوطار، وإذا سئلوا عنه قالوا هو مختلف فيه إما جهلا وعمها، وإما لبسا للحق بالباطل خفية وشبها، أردت أن أؤلف تأليفا أبين فيه ما هو متفق على حرمته، ومختلف فيه حتى ينماز الفرق بينهما لكل نبيه، ولا يغتر بقول جاهل أو متجاهل في أمر دينه متساهل". ولا يخفى أن هذا موقف معتدل من هذا الفاضل، فهو لا يرضى لأهل العلم مثل هذه المجالس التي تضعف الهمم، وتبعد عن معاني الكونية والإنسانية، أما إذا كان الطرب طربا حقيقيا، وفق قواعد الفن، والموسيقى، والكلمة الطيبة فهذا من اهتمامات أهل العلم على مر العصور، والطريف أن الحوات نفسه صاحب هذه "الفتوى" له تآليف في علم الموسيقى مثل كتاب: كشف القناع عن وجه تأثير الطبوع في الطباع: وهو عبارة عن أرجوزة في طبوع الموسيقى الأندلسية في ستة وخمسين بيتا حققها الأستاذ أحمد العراقي اعتمادا على نسخة خطية توجد بالخزانة الحسنية بالرباط تحت رقم: 4229، ونسخة الأستاذ المرحوم عبد السلام بن سودة بفاس، وقد نشرها بمجلة المناهل المغربية (عدد: 27 ص: 319 – 337). كما استفدناه من مقدمة تحقيق "ثمرة أنسي" للمحقق عبد الحق الحيمر.. فليرجع إلى مقدمة تحقيق "ثمرة أنسي" للوقوف بتفصيل على مؤلفات الحوات وأمكنة وجود مخطوطاتها، والمطبوع منها، وإنما قصدنا هنا الاختصار بقصد إبراز تفوق هذا العالم الفاضل وامتلاكه ناصية الكتابة. كما نريد أن نربط هذا البعد العلمي بالبعد الإنساني الذي سنذكر بعض جوانبه فيما بقي من المقالة.. والحال أنني استفدت من مقدمة "ثمرة أنسي" كثيرا في تلخيص بعض جوانب البعد الإنساني في حياة صاحبنا سليمان الحوات..

لقد كانت تربط سليمان الحوات بأعلام عصره علاقات صداقة متينة، ومن هؤلاء الأعلام العلامة الأديب الشهير حمدون ابن الحاج (تـ 1232)، فقد كانا على مودة متبادلة واتصال دائم تجري بينهما المكاتبات نظما ونثرا، من ذلك ما خاطبه الحوات في ختام رسالة:

إذا عرتك مــن الأيــام نائــبة                فلا يخلـص منها غير حمـدون

إن من ذو الود يوما قبــل صلته                 فحبله أبــــدا ليـس بممنون

على سجــــيته من التحية ما                   يقوم من حقه عني بمـسـنون

فأجابه حمدون بقوله:

أبا الربيع سليمــان أتيت بما        لم يأت يوما بمثـله ابـن عبدون

رسـالة نبأت بصـفو ودك لي       ما شابهتها رسالة ابـــن زيدون

شيطان فكرك غواص على درر       أقر بالعجز عنها فكر حمـــدون

لازلت مفترش الجزاء مـــرتفعا     ومن يعاديك في المنــازل الدون 

ومنهم العلامة الأديب أبو عبد الله محمد بن الطيب سكيرج (تـ 1194هـ)، فقد نزل عليه المؤلف ضيفا صحبة جمع من أعلام فاس حيث قضوا معه أياما تبادلوا أثناءها ما رق وطاب من طاب صنوف الآداب، ويحدثنا الحوات عن ذلك، فيقول: "فنزلنا مكناسة الزيتون على روض البلاغة المزهر الأحفل، الكاتب الأديب الأنبل، العالم الأكمل أبي عبد الله سكيرج الفاسي وصل الله عنايته، فألفيناه في مجلس منادمته مع خاصته من أحبته.. فقال:

لما أباح النوى راح الفـــراق وقد      ركبت ظهر الفيافي منضيا تعبي

يممت ربعا به للحـــسن معترك      وفيه روض لأهــل الفضل والأدب

ثم قال أجز، فأجزت بقولي:

وكيف لا، ودلـــيل الحب أرشـــدني              والحب يرشد أحـــيانا إلــــى الأدب

فكان لي موقف عـــــلى الحبور به                 في مظهر الأنس بين اللهو والطرب

حيث محـــــــــيا "أبي زيد" ورنتـــه        يستبعــــــدان قريب الهم والوصب

فلما وصلت إلى هنا استعادني إنشادها، وهو مقبل علي يهتز إعجابا وطربا، ثم تنحى عن سدته جملة، وأجلسني فيه متفردا بعدما كنت مشاركه في جهة منه فقط.. فمكثنا على ذلك أياما، بين تناشد الأشعار، وتجاوب الأوتار، وكؤوس حلال الشراب علينا تدور، من راحات حسان كالبدور، لم نستيقظ من سنة المسرة إلا بعد أن مضت من الشهر عشرة (..) ورب المنزل المذكور، وعلم الإجلال المنشور، حملته الأريحية على المبالغة في الإكرام، بالتردد علينا في كل برهة بموائد الطعام، مختلفة الأجناس، تستلذ مضغها الأضراس إلى أن انفصلنا كل في وجهته سعيد، وربك الفعال لما يريد..

ويفيدنا المحقق عبد الحق الحيمر في مقدمة "ثمرة أنسي في التعريف بنفسي" بإثارته لموقف الحوات المشرف وتدخله من أجل إطلاق سراح صاحبه العلامة الصوفي أحمد بن عجيبة (تـ 1224هـ) حين أسر في تطوان بإيعاز من الشيخ علي الريسوني وغيره، فخاطبه الحوات بقصيدة معاتبا وناصحا جاء فيها:

أبا حســــن كــــــــن مثل والدك الذي        تغيب في ســـكر الشهود عن الحس

وإلا فاصلح مـــــنك بالـــــــزهد فاسدا        وكن واثقا بالـــــموت يصبح أو يمسي

ولا تعترض مــــا لــست تعلم حكمه           ودع عنك حظ النفس والرجم بالحدس

وأنصف ولا تجـــحد إذا كــنت عالما            بعلم غد كعـــلم مــــا مر بالأمس

فما بالكم تســــــعون سعي معارض          لطائفة التجريد فــــي الضرب والحس

وكيــف يهين ابنــي عجــيبة مسلم           وعلمهما بالله أجـلى مــن الشـمس

كأنك لم تعــرف حــقيقة ســرهـم           ولم تعتــرف منها بنوع ولا جــــنس

هم القوم كـــــفوا نفسهــم ولسانهم        ومن يستطع كف اللــــسان أو النفس

 تقدمت السن بالحوات وأخذ المرض يقترب منه أولا في بصره فالتجأ إلى الأولياء بعد أن عز الدواء وقصد ضريح سيدي أبي غالب متوسلا به في شفاء بصره، وحين بلغ الستين وشعر بضعفه، ودنو أجله أخذ يطرق باب التوبة راجيا من الله أن يتجاوز عن سيئاته ويسلك به سبيل السلامة.

ولما حل الوباء بمدينة فاس تيقن الحوات أن الرحيل قد آن أوانه فبادر إلى شراء مقدار قبره وهيأه استعدادا للانتقال، ويحدثنا ذلك فيقول: "لما فشا أمر هذا الطاعون بحضرة فاس الإدريسية اشتريت قدر قبر بداخل قبة الشيخ الولي أبي عبد الله التاودي بخارج باب عجيسة فحفرته وحصنته بصندوق من خشب ولحدته وعلمته بمرمرة صغرى وأعددته لدفني إذا قضى الله بوفاتي، وهو الخامس من الصف الذي يمنه المحراب.. ".

وكنت أنشدت أبياتا جعلتها داخل قبري هذا لما حفرته وهي:

هذه حـــفرة أعدت لـــدفني            في جوار الخيار حــين الوفـاة

وعساها تكون لــي خير روض              من رياض النعيـــم في الجنات

رب عفوا على سليمــان مـن لا             زال يدعي في النـاس بالحوات

ولئن كان مسرفا أنت تمــــحو            رحمة منك أعظم الســــيئات

لقد جئت بالــــرسول شفـيعا             يوم لا غـــيره لــذي الزلات

وعليه أزكـــــى الصلاة دوامـا         وعلى صحبه الكـــرام الهـداة

توفي سليمان الحوات بفاس يوم (الثلاثاء 19 صفر عام 1231هـ/1816م) وعمره اثنتان وسبعون سنة إلا شهرا ودفن بقبره الذي أعده بنفسه، وأرخ صاحبه العلامة الأديب حمدون ابن الحاج وفاته عن طريق حساب الجمل بعام، بشراي جاءوا به، وضمن ذلك قوله:

هذا ضريح أبي الربيع شمس ضحي        لـه بيـــت نبـــوة شــماريخ

قد قالت الأرض لــما ضمت أعظمه      بشراي جاءوا بـه، وذاك تـاريـخ

رحم الله سليمان الحوات وجازاه عن المغرب خيرا، والله الموفق للخير والمعين عليه.

 

-------------------------------------------------------

1. ثمرة أنسي في التعريف بنفسي، ص: 49،51 و79.

2. ثمرة أنسي في التعريف بنفسي: ص: 105.

3. مقدمة تحقيق ثمرة أنسي في التعريف بنفسي مطبعة الهداية 1996، تحقيق عبد الحق الحيمر.

4. ثمرة أنسي: ص: 127.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها