ابن عيشون الشراط

ابن عيشون الشراط

يعتبر كتاب الروض العطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس من أشهر الكتب التي أرخت للتصوف ورجاله بالحاضرة الفاسية، وهو أيضا كتاب نفيس فيما يتعلق بالتاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي. وقد قامت الأستاذة الفاضلة زهراء النظام بتحقيق الكتاب الذي نشر ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 1997.
وبعد تحقيق وتدقيق استقر الرأي على أن مؤلف الروض هو الفقيه الصوفي أبي عبد الله محمد بن عيشون الشراط.. فمن هو هذا الرجل الفاضل الذي تجند للتعريف بصلحاء الحاضرة الفاسية مع ما يرافق ذلك من ضبط وتوثيق وتحقيق مجالي؟

سيدي أوسيدي

آثرت أن أعنون المقالة التي أخصصها للفقيه الصوفي السوسي أبي محمد صالح بن واندالوس بسيدي أو سيدي باعتباره اللقب الذي اشتهر به، ولا يذكر في محروسة تارودانت إلا به

 
 
صلحاء المغرب وأولياؤه
أحمد التستاوتي


د. جمال بامي
مدير وحدة العلم والعمران

شخصية هذه الحلقة علم من أعلام المغرب الكبار الذين أُهملوا في أجندة البحث المعاصر، ولم يكتب عنهم إلا شذرات متفرقة هنا وهناك.. يتعلق الأمر بالشيخ الصوفي الكبير أحمد التستاوتي أحد تلاميذ الشيخ محمد بن ناصر الدرعي.. وهو من معاصري النهضة الفكرية التي انبثقت في رحاب الزاوية الدلائية المباركة..

وقد انبرى الأستاذ الفاضل أحمد الطريبق أحمد إلى نفض غبار النسيان عن شخصية التستاوتي في كتابه القيم الكتابة الصوفية في أدب التستاوتي، 1045–1127هـ (الحياة – الكتاب – الخطاب) (منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية).. وقد أبرز أحمد الطريبق حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في هذا المضمار بقوله: "وبهذا الباب أكون قد انتهيت من هذا القسم الخاص بحياة التستاوتي، صنعته كما قلت صنعا فيه من الاجتهاد كما فيه من المغامرة، ما يبرر الأخطاء التي اعترضتني في هذا الطريق، وإذا كان من خطأ أو أخطاء هنا أو هناك؛ فإنني على علم بذلك، وماذا يصنع المتجول في غابات النزهة المتشعبة؟ بل ماذا يصنع الباحث عن تقاسيم رجل، كالمجهول في خريطة من الأحراش والمتاهات".

فمن هو هذا الفاضل الذي عاصر ثلة من أفاضل هذه الأمة، وتتلمذ عليهم وصاحبهم، أمثال اليوسي وأحمد بناصر الدرعي، كما أثرى الساحة الأدبية بأدب صوفي فريد من نوعه.

هو أحمد بن عبد القادر بن عبد الوهاب بن موسى بن الشيخ محمد بن مبارك التستاوتي. أما والده عبد القادر فلا نكاد نعرف عنه شيئا، فأحمد بن عبد القادر لم يحدثنا عن والديه، باستثناء إشارة قصيرة وعارضة، وردت في رسالة له إلى شيخه محمد بن ناصر الدرعي، إثر التعرف المباشر والاتصال الروحي، وكان ذلك قبل حلول الثمانين بعد الألف، مما يفيد – فقط– أن عبد القادر وأخاه محمد والد التستاوتي، كانا آنئذ على قيد الحياة. وخلاصة الاحتمال، هو أن التستاوتي سيكون من مواليد 1045. حسب الأستاذ أحمد الطريبق.

إلا أن اليوسي في إحدى رسائله، يلمح للتستاوتي بأنه واحد من رجالات تادلا وصلحائها: "إلا أن يتفضل الله، إلي وتَّدَ تادلا، بشراب الحقائق، أبي العباس أحمد، سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى من احتوته تلك الزاوية المباركة"[1]، ولعل الزاوية المقصودة في الرسالة، هي زاوية "خلفون على وادي أم الربيع" كما حددتها فاطمة القبلي في تحقيقها[2] لرسائل اليوسي  (تحميل ج1  ج2)، وزادت التحديد تحديدا بقولها: إن الزاوية تقع في نواحي خنيفرة حاليا..

إن التستاوتي، كواحد ممن أفرزتهم مجتمعات البادية، لم يحدثنا بالتفصيل، ولا غيره عن هذه الفترة المرتبطة بالنشأة والتكوين، وإن كان العرف السائد، في أوساط البادية هو أن يدخل الطفل المغربي كتاب القرآن ليحفظ منه ما شاء الله أن يحفظه، وبعد ذلك ينهل من المتون الفقهية، وما يتعلق بالنحو والعربية وعلوم القرآن والحديث. إلا أن هذا لا يتم إلا في مناخ يسوده الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وصاحبنا التستاوتي، ليس بدعا في هذه الحالة، وقد أحاطت به ظروف وملابسات نجد لها صدى متباينا في كتابه النزهة..

ولولا بعض الشذرات والفلتات الصادرة عن التستاوتي لما عرفنا شيئا يدلنا على الجانب الغامض في مرحلة الطلب والدراسة، بما في ذلكم بعض شيوخه وأساتذته، ونوع المصنفات التي سمعها عنهم وأجازوه عليها..

ومن بين المنظومات التي نظمها التستاوتي، تلك التي انتظمت في سلك رجال "ممتع الأسماع بالجزولي والتباع وما لهم من الأتباع لمحمد المهدي الفاسي، ولكن التستاوتي ألحقه بتكملة خصصها للرجال الذين أخذ عنهم، أو جالسهم أو كانوا من ذوي الفضل والبركة في عصره وكعادة التستاوتي؛ فإنه يشرح بقلمه منظوماته ويعلق عليها..

فالتستاوتي راسل كبار رجالات عصره، ويأتي في الدرجة الأولى الإمام أبو علي اليوسي، وقد أبرز أحمد الطريبق في أطروحته حول التستاوتي بعض القضايا التي ساهمت في تكوين شخصية التستاوتي بفضل الاحتكاك والتأثير بشخصية اليوسي العظيمة..

ويحفل كتاب نزهة الإخوان للتستاوتي بمعلومات تاريخية وأدبية وسياسية، وكذلك بقيمة أدبية كبرى جهد الأستاذ أحمد الطريبق في إبراز معالمها وخصوصيتها، كما يحفل كتاب النزهة بمعلومات عن الشيوخ الذين عاصرهم، من ذلك بسطه للنسب الصوفي لشيخه محمد بن ناصر الدرعي، إذ يقول: "وجد بخط الإمام الأستاذ محمد بن ناصر رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. يقول كاتِبُه عبد ربه تعالى محمد بناصر الدرعي كان الله له أخذنا طريقة التصوف عن شيخنا سيدي عبد الله بن حساين الرقي عن شيخه أبي العباس أحمد بن علي الدرعي، عن شيخه سيدي أبي القاسم الغازي الدرعي أهلا السجلماسي دارا عن شيخه أبي الحسن علي بن عبد الله السجلماسي، عن شيخه أبي العباس أحمد بن يوسف الملياني الراشدي، عن شيخه أبي العباس أحمد زروق الفاسي، عن شيخه أبي العباس أحمد بن عقبة الحضرمي، عن شيخه أبي الحسن عن الفرابي، عن شيخه أبي العباس تاج الدين أحمد بن عطاء الله الإسكندري، عن شيخه أبي العباس أحمد المرسي، عن شيخه أبي الحسن الشاذلي، عن شيخه أبي محمد عبد السلام بن مشيش..". وهذا ما يمكن إدراجه في مجال التأريخ للتصوف بالمغرب..  

يفيدنا أحمد الطريبق أن المتتبع لجوانب العلاقة بين التستاوتي واليوسي، يكاد يخرج بنتيجة واحدة، وهي أن التستاوتي كان يرى في اليوسي النموذج والمثال خاصة في الجانب العلمي والأدبي، رغم أن الرجلين يرتبطان بحبل واحد، حيث أن فارق السن بينهما ليس ببعيد فاليوسي من مواليد الأربعين بعد الألف، وبعدها ببضع سنوات كانت ولادة التستاوتي، خلال التواريخ التي بنى عليها زمن الولادة التقريبي وهو 1045هـ. ومع ذلك؛ فإن المراسلات بين الصديقين تعكس بجلاء واضح أستاذية اليوسي للتستاوتي. بل إن أشعار اليوسي جاثمة بظلالها على القوافي التستاوتية فأحيانا يعارضه، وأحينا يراجعه، وأحايين يقلده. وهذه وتلك من القضايا الأدبية المفيدة التي فصلت في أطروحة أحمد الطريبق، التي يمكن القول بدون مجاملة أنها من أعمق الدراسات الأدبية في المغرب المعاصر، وإن قراءة كتاب أحمد الطريبق متعة في حد ذاتها..

أما عن رأي صاحبنا التستاوتي في صديقه وأستاذه اليوسي فتجمله كلمات التستاوتي المحملة بالتقدير للرجل الكبير، فقد ذكره في منظومته اليائية، التي ألحق فيها رجال عصره برجال ممتع الأسماع، واعتبره الهادي إلى نور اليقين:

وعاينت فضلا بيّن النور ساطعا     من الحسن اليوسي، يفوق الدراريا[3]

وقد عرف التاستاوتي باليوسي قائلا: والحسن اليوسي وهو الشيخ أبو عبد الله الحسن بن مسعود اليوسي، أشهر من أن يذكر أو يعرف به، كان عالما مشاركا في جميع الفنون، له عقل كبير ونفس تواقة، تحب التطلع إلى منازل الأبرار، ومع ذلك كان يعترف بالتقصير، ويقول: أما المنازلات ومواجهة الأبرار والأسرار والمكاشفات لم نشم لها رائحة، وأما الفتوحات في العلم فقد نلت منها بفضل الله الحظ الأوفر[4]. ولا يذكر اليوسي في رسائل التستاوتي إلا بتحليات التقدير والتمجيد، ففي رسالة يصفه بـ اللؤلؤ الرطب والمورد العذب[5]، وفي رسالة أخرى يبالغ في التقدير، ولا ضير عليه، إلى ما لا بأس، أن نجعل قدمه على الرأس[6]، وفي أخرى يجعله سراج الملة وشيخ الحلة[7]، وفي الباقي والباقيات يناديه بالأستاذ الإمام.

ويشير أحمد الطريبق إشارة لطيفة في أطروحته مفادها أن أبا الحسن اليوسي، كالتستاوتي تأخذه العزة بالبادية، فلا يرضى عنها بديلا، لما في المدينة من مواضعات تتنافى والطبع البدوي المعجون بالبساطة وفطرة الحياة. لكن ظروف السياسة كانت تنغص عليه صفاء الراحة والاستقرار، فيضطر إلى الرحيل من خلفون الزاوية التي كان يتردد عليها بأمر من تجب طاعته على كل حال. والتستاوتي واحد ممن تألم لهذا الرحيل الإجباري، كما تسجل أشعار كتابه النزهة هذا الحادث المفاجئ فيتضرع إلى الله، راجيا منه الأمان والرعاية، يشمل بهما صديقه الحسن اليوسي:

يا رب بالهــــادي وبالأ صـحاب          وبسائر الأوتــــاد والأقـــــطاب

وبكل عبد في الـــــبرية صالحٍ          وبحـــمــلة الأمــــلاك والـكتاب

أمن بفضلك مهجة الحسن بن          مسعود من الأنكاد والأوصاب[8]

ونحن ندرك هنا مع هذه الشخصيات الفذة وغيرها-خصوصا أبناء الزاوية الدلائية- الدور الذي قام به أهل البادية في تاريخ المغرب العلمي والفكري، ومن يرى حال البادية في مغرب اليوم يأخذه العجب من هذه المفارقة بين إسهام تاريخي فعلي حقيقي موثق وبين إهمال معاصر على جميع المستويات..

وتجدر الإشارة أيضا إلى العلاقة التي  ربطت أحمد التستاوتي بالطيب بن المسناوي، وفي علاقة بها تلك التي ربطت الشاعر محمد ميارة (1072هـ) بمحمد المسناوي بن محمد بن أبي بكر ومحمد المرابط الدلائيين، وقد نتج عن هذه لعلاقات المختلفة فيض غزير من القصائد الشعرية التي أبدعنها قرائح الشعراء في مدح الدلائيين والتقرب إليهم وبكاء من غيبه اللحد منهم. ولعل هذه العلاقات هي التي انتهت ببعض هؤلاء الشعراء ليصبحوا دلائيين من حيث احتكاكهم واتصالهم بالزاوية وأبنائها. وهذا يدل على مكانة هذه الزاوية في تاريخ المغرب الفكري، ويدل كذلك على انخراط صاحبنا التاستاوتي في ديناميكية علمية غزيرة وكثيفة لا يمكن فهم التطور الفكري بالمغرب خلال العصور الحديثة دون فهمها والتعمق في دراستها، وهذا عمل يحتاج إلى نفس طويل باعتباره يندرج ضمن دراسات الأنثربولوجية التاريخية الكفيلة بإضاءة جوانب عميقة في تاريخنا وحضارتنا.. 

واختم هذه المقالة المركزة بالقول بأن أهل سلا، قد تبوءوا مكانة عليا في نزهة التستاوتي وفي أدبه ووجدانه، وهذه مسألة جديرة بالذكر، وقد فصل فيها الأستاذ أحمد الطريبق في دراسته الماتعة.

وكان العميري واحدا من الأحباء الذين أرخوا للتستاوتي حبل المصافاة والمناجاة. حيث ظل وفيا للرجل حتى آخر رمق في الحياة، إذ كانت سنة وفاة التستاوتي هي: 1127هـ. قول العميري في الفهرسة: "دخلت عليه في اليوم الذي توفي فيه، فوجدته جالسا على صندوق مرتفع من الأرض، فقال لي: إنما جلست هنا لأني صليت عليه هذه الصلاة – يعني الظهر– ويشق علي إن نزلت أن أصعد لصلاة العصر، فمات قبيل العصر أو بعده.. "[9]. رحم الله أحمد التستاوتي وجازاه عن المغرب خيرا، والله الموفق للخير والمعين عليه.

----------------------------------------

 

1. نزهة الإخوان التستاوتي، ج: 1، ورقة 28، ص: 54. نقلا عن أحمد الطريبق احمد في الكتابة الصوفية في أدب التستاوتي.

2. رسائل اليوسي، تحقيق فاطمة القبلي، ج: 1، ص: 48.

3. نزهة التستاوتي، ج: 1، ورقة 163، ص: 324. نقلا عن أحمد الطريبق. مرجع سابق.

4. نفسه.

5. نزهة التستاوتي، ج: 1، ورقة: 28، ص: 54.

6. نفسه، ج: 1، ورقة، 30، ص: 58.

7. نفسه، ج: 1، ورقة، 69، ص: 135.

8. نزهة التستاوتي، ج: 2، ورقة: 53، ص: 103

9. فهرسة العميري.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها