دور العلم في تواصل الأجيال

في حياة كلٍ منا ثلاثة أجيال، الآباء الذين صنعوا الحاضر بما قاموا به في الماضي وهم جزء منا على كل حال، ونحن الذين نعمل الحاضر من أجل بناء المستقبل، والأبناء الذين  يتأهلون علميا وتربويا لحمل راية هذا المستقبل إلى آفاق جديدة بفضل من الله؛ والمطلوب بين هذه الأجيال التواصل المستمر وفق رؤية مقاصدية لمستقبل الأمة، وسيكون رائعا لو كان المكون العلمي حاضرا بقوة في تواصل الأجيال، لكن مفهوم الجيل يتعدى علاقة القرابة إلى علاقة عامة بالمجتمع والأمة عبر تلاقح الأجيال في مسيرة بناء الحضارة..

جوانب من الحركة العلمية بجامع القرويين

ارتأيت في هذا المقال أن أتناول، بدل شخصية علمية واحدة أفصل فيها القول، تناول بعض جوانب الحركة العلمية بالمغرب من زاوية العلائق بين العلماء، وعلاقة ذلك بازدهار العلم والعمران. وقد رأيت أن أخص جامع القرويين المبارك بهذه المقالة نظرا للقيمة المفصلية التي يحظى بها هذا المسجد في تاريخنا وكياننا.

 
 
علماء ومدارس
من علماء البيت العراقي الحسيني بالمغربي


إدريس بن محمد توفي ( 1183 / 1769 )
وعلي بن هاشم توفي : ( 1194 / 1780)

 خالد بن أحمد الصقلي
كلية الآداب -ظهر المهراز- فاس



يلاحظ أنه من مميزات التشكيلة الاجتماعية للمجتمع المغربي وجود فئة آل البيت النبوي سواء منهم المنتمين إلى السبط الحسني أو المنتمين إلى السبط الحسيني الذين من بينهم نجد العراقيين. ولقد تحدث مجموعة من العلماء المغاربة عن نسب هؤلاء الشرفاء سواء من مؤلفات متعلقة بعامة آل البيت النبوي ، ونجد منها كتاب الإشراف على بعض من بفاس من مشاهير الأشراف لمحمد بن حمدون ابن الحاج السلمي المتوفى سنة (1274هـ / 1855م) (1) ، وكتاب الدرر البهية والجواهر النبوية في الفروع الحسنية والحُسنية لإدريس العلوي الفضيلي المتوفى سنة (1316 هـ/ 1898 م) (2)، أو في مؤلفات خاصة بالشرفاء العراقيين، ونجد منها كتاب مطلع الإشراق في نسب الشرفاء الواردين من العراق لعبد السلام بن الطيب القادري الحسني المتوفى سنة ( 1110 هـ/ 1698م) (3)، وكتاب الدر النفيس فيمن بفاس من بني محمد بن نفيس للوليد بن العربي العراقي الحسيني المتوفى سنة ( 1265 هـ / 1849 م ) (4)، وكتاب التذييل المنتخب فيما لفضلاء الشعبة العراقية من المآثر وجب لنفس المؤلف(5).


ولقد شهر عدة أعلام من هذا البيت بالعطاء العلمي والصلاح الخلقي، ونجد منهم إدريس بن محمد وعلي بن هاشم.


بالنسبة للأول فهو أبو العلاء إدريس بن محمد بن إدريس(6) بن حمدون بن عبد الرحمان ولد بمدينة فاس عام 1120هـ/1705م، وتعمق في دراسة علم الحديث النبوي ونجد من شيوخه والده، وأحمد بن مبارك، وأحمد بن سليمان الأندلسي، وعلي الحريشي، ومحمد ابن زكري، ومحمد جسوس.


ونظرا لشدة تمكنه من علم الحديث أصبح يلقب بسيوطي زمانه واعتبر أعلم من الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، ويعد أحد مشاهير المحدثين بالمغرب خلال عصره.


وتولى خطة الإمامة بمسجد السمارين الذي يقع في عدوة فاس القرويين، وولى الوراقة حيث كان يسرد كتب الحديث والوعظ بمسجد الأندلس، ثم انتقل إلى جامع القرويين حيث كان يسرد بكرسي محربه صباحا ومساءا، وبكرسي الحلية قبل صلاة العصر، وبعدها بكرسي المنذري اللذين يوجدان في غرب هذا الجامع.


وجاء أجله بفاس خلال سنة 1183هـ/1769م، وقيل السنة الموالية ، ودفن بها في زاوية أحمد بن محمد الصقلي(7)، ولم أقف بهذه الزاوية على بقايا أثرية توضح مكان قبره(8).
ولقد ألف عدة مؤلفات ووضع شروحا لمجموعة من المؤلفات ونجد منها ما يلي :


• رفع الالتباس فيما ورد في القيام للناس، مخطوط بالخزانة العامة تحت رقم كـ 1373 ضمن مجموع.
• شرح إحياء الميت لجلال الدين السيوطي يوجد مخطوطا بنفس الخزانة تحت رقم د 1373 ضمن مجموع.
• شرح شمائل الترميذي ، يوجد مخطوطا بنفس الخزانة تحت رقم كـ 1438 .
• فهرس مخطوط بالخزانة الحسنية تحت رقم ز 3443 / 3.
• نبذة يسيرة في أحاديث البسملة والحمدلة، توجد مخطوطة بالخزانة العامة تحت رقم د 1419 ضمن مجموع.
• كما ألف مؤلفات أخرى ووضع شروحا لمجموعة أخرى من مؤلفات أجهل مصيرها اليوم ونجد منها ما يلي :
- اختصار تاريخ الخطيب.
- اختصار الكامل لابن عدي.
- تأليف في نسبي.
- تخريج أحاديث الشهاب القضاعي.
- تكميل مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا.
- حاشية على تفسير الثعلبي.


أما بالنسبة للثاني فهو أبو الحسن علي زين العابدين بن هاشم. لقب بزيان ولقد ولد بفاس سنة 1139هـ/1728م. وتتلمذ بها على جماعة من فحول علمائها أمثال أحمد ابن المبارك، وعمر الفاسي، ومحمد جسوس، ومحمد الهادي العراقي الحسيني.


وتقلد خطة التدريس بجامعة القرويين، وبجامع الأبارين التي كان بها كذلك إماما، وكانت محاضراته تتعلق بعلوم الحديث والنحو والبيان والعروض والمنطق. ونجد من تلامذته: أحمد بن أبي جيدة الفاسي، وابنه إدريس العراقي، وسليمان الحوات العلمي.


وجاء أجله بفاس عام 1194هـ/1787م، وبها دفن داخل ضريح أبي عبد الله محمد بن يعلى التاودي(9) خارج باب عجيسة بفاس، وكان العلامة الكبير محمد التاودي بن محمد الطالب ابن سودة المري هو الذي وضعه في قبره. ولم أقف بهذا الضريح على بقايا أثرية توضح مكان قبره(10).


وبخصوص إنتاجه الفكري فلقد وضع فهرسا يوجد مخطوطا بالخزانة العامة تحت رقم كـ 1249 وأجهل مصير التقاييد التي ألفها في النحو وغيره. كما أجهل مصير نوازله.
وفي الأخير أسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته الواسعة ويسكنه فسيح جناته هذين العالمين الجليلين ، وأن يقع النفع العميم لقراء هذا المقال.

--------------------------------------------------------------------------------
1 – يوجد مخطوط بالخزانة الحسينة بالرباط تحت رقم 11/1732 .
2 – طبع في المطبعة الحجرية الفاسية بدون تاريخ، زطبع كذلك أخيرا بمبادرة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، مطبعة فضالة، المحمدية، 1420 هـ/ 1999م.
3 – مخطوط قمت بتحقيقه ولم ينشر.
4 – مخطوط بالخزانة العامة في الرباط تحت رقم كـ 1283 /3 .
5 – يوجد مخطوطا بنفس الخزانة وتحت نفس الرقم في رابع المجموع.
6 – أسقط محمد مخلوف اسم إدريس بن محمود نسب حفيده ومسيه صاحب الترجنة وهو خطأ، وانظر إلى شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، طبع بدون تاريخ، ص 356، الترجمة رقم : 1422.
7 – يعد من بين صلحاء وشيوخ عصره وتوفي سنة 1177هـ/1764 .
• انظر : عبد الواحد الفاسي، (غاية الأمنية) من تحقيقي يوجد بخزانة كلية الآداب في الرباط، ج 2/ ص 536 – 541.
8 – انظر ترجمته بتفصيل فيما يلي :
• العباس بن إبراهيم المراكشي، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، المطبة الملكية الرباط 1395هـ/1975م، ج 3/ ص 16-19 الترجمة رقم 333 .
• عبد الحي الكتاني ، فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات ، المطبعة الجديدة فاس 1346هـ/1927م، ج 2/ ص 199-205. =
• = عبد الله كنون ، النبوغ المغربي في الآداب العربي، طبع دار الكتاب اللبناني، بيروت الطبعة الثانية 1381هـ /1961م، ج 1/ ص 278-293.
• عبد الواحد الفاسي (غاية الأمنية) ج 2/ ص 528.
• عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين ، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت طبعة بدون تاريخ، ج 2/ ص 218 – 219 .
• محمد الأخضر ، الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية ، طبع دار الرشاد الحديثة، الطبعة الأولى 1397هـ/1977م، ص 295-297 .
• محمد الحجوي الثعالبي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ، مطبعة البلدية فاس 1345هـ/1926م، ج 4/ ص 124 الترجمة رقم 793.
• محمد القادري ، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 1407هـ/1986م، ص 193-195.
• محمد الكتاني ، سلوة الأنفاس ومحتدثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس ، المطبعة الحجرية الفاسية بدون تاريخ ، ج 1/ ص 141 – 143.
• الوليد العراقي ، التذييل المنتخب، ص 264.
9 – يعد من صلحاء وعلماء عصره، وقيل ينسب إلى قرية تاودة التي تقع بضواحي فاس، وقيل ينسب إلى قرية تاودة التي تقع بالصحراء المغربية وتوفي سنة 580 هـ/1184م.
• انظر : سليمان الحوات، الروضة المقصودة والحلل الممدودة في مآثر بني سودة، مخطوط بالخزانة العامة تحت رقم كـ 2351، ص 228 .
• محمد ابن عيشون الشراط، الروض العطر والأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 1417هـ – 1997م، ص : ( 271 – 274) .
10 – انظر ترجمته بتفصيل فيما يلي :
• سلميان الحوات، السر الظاهر فيمن أحرز بفاس الشرف الباهر من أعقاب الشيخ عبد القادر، المطبعة الحجرية الفاسية بدون تاريخ، ص 100 .
• عبد الواحد الفاسي، غاية الأمنية، ج 2/ ص 169.
• عمر رضا كحالة ، معجم، ج 7، ص 97.
• محمد الكتاني ، سلوة الأنفاس، ج 3/ ص 114 – 115.
• محمد مخلوف، شجرة، ص 357 – 358، الترجمة رقم 1427.
الوليد العراقي : انظر : * الدر النفيس، ص 193-194.
* التذييل المنتخب ، ص (273-277)



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها