محمد ميارة الفاسي

إن سيدي محمد ميارة يندرج ضمن سلسلة مباركة لانتقال العلم والصلاح في بلدنا المبارك، ويكفي أن نعرف أن هذه السلسلة تضم ابن عاشر والمقري وأبي سالم العياشي حتى ندرك مسألة طالما أشرت إليها في مقالاتي حول علماء المغرب، وهي أن منطقا ثاويا يسري في ثنايا الاجتماع والعمران المغربي مفاده أنه يصعب تفكيك معطيات التاريخ العلمي والحضاري للمغرب من دون استحضار هذه السلاسل المباركة في علاقتها بالمجال والإنسان. إن عملا كهذا -والذي لا يخفى على ذوي النباهة أنه عمل أنثربولوجي كبير- سيمكن من إعادة تركيب عناصر الشخصية المغربية في بعدها العلمي المعرفي أملا في استعادة ألق نفتقر إليه اليوم بشكل مزمن بخصوص أزمة العلم والقراءة والتكوين والأستاذ والتلميذ والتربية والجامعة، وعلاقة كل ذلك باجتماعنا المغربي ضمن رؤية عمرانية شاملة نرجو من الله أن تتحرك الهمم من أجل وضعها ضمن أولويات النهوض ببلادنا..

محمد الإكراري

قبل أن ينتقل المؤرخ الفاضل حمدي أنوش إلى الرفيق الأعلى يوم 29 مارس 1997، كان قد انتهى من تحقيق كتاب نفيس في علم التراجم هو كتاب روضة الأفنان في وفيات الأعيان لصاحبه العلامة محمد بن أحمد الإكراري. وقد آثرت في هذه الحلقة أن نحلق معا في المجال السوسي المبارك مع الإكراري وكتابه، وأيضا مع المرحوم المحقق حمدي أنوش صاحب الفضل في إظهار كتاب روضة الأفنان إلى الوجود..   

إضاءات حول فكر العلامة محمد بن الحسن الحجوي

في مقال بجريدة الشرق الأوسط[1] يحلل المفكر اللبناني رضوان السيد بعض جوانب الفكر الإصلاحي عند محمد بن الحسن الحجوي، ومن بين ما خلص إليه : “أنه إذا كان هناك تماثُلٌ في الإطار المرجعي بين أمثال الطاهر الفاسي وابن الموّاز وخير الدين التونسي ومحمد عبده ورشيد رضا وصولا إلى الثعالبي وعلال الفاسي؛ فإننا لا نكادُ نجدُ بين هؤلاء وعلى مدى قُرابة القرن مَنْ مارس مثل الحجوي عملينِ معاً وبالدأَب نفسه :

 
 
علماء فقهاء
أبـو زيـد التّـمـنـارتـي

 



د. جمال بامي
مدير وحدة العلم والعمران

ارتأيت في هذه الحلقة التعريف بأحد أعلام سوس الكبار، علما وأدبا ورواية وسياحة، ومن خلاله بجوانب من الحركة الفكرية بالبلاد السوسية بفضل من الله، يتعلق الأمر بالعالم الكبير أبي زيد التمنارتي صاحب الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة..

هو أبو زيد عبد الرحمان بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد المعافري الجزولي التمنارتي، ينتسب إلى المعافر أو المعافرة الذين انتسب إليهم أبو بكر ابن العربي صاحب الأحكام، وقد نزل هؤلاء المعافرة الذين انحدر منهم أبو زيد التمنارتي منطقة تمنارت، واستقروا بها أوائل القرن الخامس الهجري، كما يدل على ذلك قول المانوزي نقلا عن المعسول للمختار السوسي (3/324). والمعافرة قبائل كثيرة في نواحي تمنارت، وقد سكنوا فيها بين بلاد قصبة تمنارت إلى قرية -إيشت- من القرن الخامس في أوله، في مدينة تسمى الفائجة.

ولد العلامة التمنارتي في بلدة تمنارت، الواقعة بالأطلس الصغير، عند سفحه الجنوبي المطل على الصحراء، وهي واحة تتكون من قرى متفرقة على ضفاف واد يسمى واد تمنارت ويشكل أحد روافد نهر درعة الشهير. ومعنى تمنارت باللهجة السوسية منارة مؤنث المنار الذي هو الحد الفاصل بين شيئين، كمنار القبر، ومنار الفدان. وإنما أطلق هذا الاسم على تلك المنطقة؛ لأنها تشكل الحد الفاصل بين الصحراء وبلاد التل، وفي قرية من تلك القرى التي يطلق عليها اسم تمنارت استقر أجداد أبي زيد التمنارتي، وفيها ولد ونشأ وترعرع، وقد كان المختار السوسي-رحمه الله- يظن أن القرية التي نشأ فيها التمنارتي واستقر بها أجداده، هي قرية فم الحصن -إمِي وْكادير- التي يقطنها الآن أحفاده، ويسمون أيت القاضي كما وضح ذلك عندما قاله في خلال جزولة، هذا ما حققه الأستاذ ليزيد الراضي في مقدمة تحقيقه لكتاب الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة، دار الكتب العلمية، 2007.

ويذكر الأستاذ الفاضل اليزيد الراضي محقق كتاب الفوائد الجمة للعلامة التمنارتي، أنه توجد مقبرة قديمة مندثرة، والراجح أنها للمعافرة أبي زيد القاضي التمنارتي صاحب الفوائد الجمة، وكان يرى أن منشأ القاضي هو -إمي وكادير- حتى سمع ما سمع، ويبدو أن اسم هذه القرية هو الفائجة كما تدل على ذلك قرائن متعددة، منها قول المانوزي بأن المعافرة التمنارتي سكنوا بتمنارت في مدينة تسمى الفائجة ذات نخل وأعناب، وعيون وفواكه..

وقد خربت تلك القرية -أو المدينة- الآن، ولم يبق منها إلا الأطلال، ويرجع سبب خرابها وجلاء السكان عنها إلى الجذب، حسب ما ذكر المختار السوسي في خلال جزولة عندما قال : "ويذكر الناس أنهم جلوا عن ذلك المكان، لجذب أصاب تلك البلاد" وإلى الخوف، حسب ما ذكر المانوزي (في المعسول 3/224)، عندما قال: ثم خالطتهم القبائل الصحراوية، مثل بني آسا والركيبات من عرب معقل، بالغارات تارة، والنهب والتخريب والإفساد تارة، فجعلوا ينتقلون شيئا فشيئا إلى نواحي السوس، حيث يأمنون على أنفسهم وأولادهم، إلى أن أخلوا بلاد الفائجة آخر القرن الثاني عشر، فصارت خرابا يبابا، لا أنيس فيها إلا اليعافير والعيس فغارت مياهها من عيونها وأوديتها، ويبست أشجارها، فصارت كأن لم تغن بالأمس، بعد أن كانت محط الرجال ذوي الفهوم والفنون".

وإلى بلدة تمنارت ينتمي عبد الله بن ياسين، مؤسس دولة المرابطين، وقد ازدادت أهمية تمنارت في عصر السعديين، فأصبحت قاعدة بلاد جزولة، واعتبرت من بين الأعمال السوسية، التي يعين فيها قضاة ينوبون عن قاضي الجماعة الذي يعين في تارودانت، الحاضرة التي عرفت أوجها في عهد السعديين، وممن تولى القضاء فيها مدة من الزمان، الشيخ الشهير سيدي محمد بن إبراهيم التمنارتي، وقد تحدث عنها العلامة المرحوم محمد حجي في كتابه الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين فاعتبرها أحد المراكز القروية المهمة في ذلك العهد، كما تحدث عنها المختار السوسي -رحمه الله-  في المعسول، وخلال جزولة، وترجع أهميتها في عصر السعديين إلى أسباب منها: اشتهار أهلها بالصلاح والفضل، وعلى رأسهم الشيخ التمنارتي سيدي محمد بن إبراهيم، الذي كان أحد أعمدة التصوف في القرن العاشر الهجري، وازدهار العلم فيها، بسبب جهود الشيخ المذكور، الذي بنى بها مدرسة لنشر العلم والصلاح، وتصدر فيها لتدريس العلم طيلة عمره..

انطلاقا من قول التمنارتي في الفوائد الجمة، وفي خلال تلك المسالك، وأنا ابن ست وعشرين سنة، وهي سنة تمام الألف، قرعت باب الله بهذه الوسيلة ثانيا، مما يعني، أنه بلغ 26 سنة عام 1000هـ، فتكون سنة ولادته هي 974هـ/1545م، على التحقيق.

اشتهر أهل التمنارتي بالعلم بالصلاح والديانة، ويكفي أن نعرف أن قبر جده الثالث مزارة مشهورة بمقبرة سلفه، وأن والده غلب عليه التصوف وسلك طريق القوم، وقد تربى في أحضان كبار المتصوفة في عصره، ويكفي أن نعلم أن شيوخه في التربية هم، كما ذكر ابنه صاحبنا التمنارتي في الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة أبو العباس أحمد بن موسى السملالي التزروالتي الأشهر من علم، والشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم التمنارتي، ولدا الشيخ التمنارتي، أبو إسحاق إبراهيم، وأبو عبد الله محمد، والشيخ أحمد بن محمد المعروف بالسائح الحاجي، والشيخ محمد بن ويسعدن السجتاني، لندرك قيمة هذا الرجل الفاضل، وقد وصفه المؤرخ الحضيكي في طبقاته؛ بأنه "كان رجلا صالحا دينا خيرا متعبدا ورعا زاهدا في الدنيا، معرضا عن أهلها طول عمره، ذا دين متين، ويقين وصبر وكرم نفس، وقلب سليم وخلق حميد، وسيرة حسنة، وكان يجهد نفسه في العبادات، ويحفظ كثيرا من الأذكار والأدعية، وقد أهله صلاحه لأن ينتدب من الشيخ التمنارتي لتغيير المناكر في بلده، فقام بواجبه أحسن قيام..".

نشأ التمنارتي ضمن هذه الظروف تنشئة تيسر له الأسباب الموضوعية للنباهة والتألق وحب العلم وأهله، والتوق إلى ترك البصمة النافعة في مسار الأمة ومشروعها الحضاري، فقد تعهده أبوه بالتربية الدينية منذ صغره، وهو لم يتجاوز بعد السابعة من عمره، فقد تحدث التمنارتي في الفوائد الجمة عن تربيته الأولى- أثناء حديثه عن أبيه- فقال رحمه الله: "علمني وأنا ابن سبع سنين معنى الشهادتين، وقواعد الإسلام، وفريضة الحمد والشكر، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وصفة الوضوء والتيمم، وكيفية أداء الصلاة والاطمئنان فيها، والترسل والسكينة والوقار، وجلسة النبي صلى الله عليه وسلم، على صدور القدمين، وآداب الأكل والشراب والنوم، أنعم وأكرم، وانظر أيها القارئ كيف يستثمر الآباء في الأبناء.. ".

ومعنى هذا أن والد التمنارتي أراد من ابنه أن يجمع بين شرف الفقه، وشرف التصوف، وقد عبر والد التمنارتي صراحة عن هذه الأمنية، عندما خاطب ابنه بقوله: كن فقيها وفقيرا، ولا تكن أحدهما فقط، فيفوتك حميد أخلاق أحد الفريقين، والسلامة في الجمع بينهما، وبذلك أيضا تسلم من مذموم صفات الفقهاء التي منها حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة في أخواتها، ومن مذموم صفات الفقراء، التي منها الدعوى في أخواتها، والدعوة رأس كل ضلالة"[1].

بدأت رحلة التمنارتي في طلب العلم سنة: 992هـ، عندما اتجه إلى محروسة تارودانت التي تعتبر إذ ذاك قاعدة سوس الأقصى، كما تعتبر أحد المراكز الثقافية المهمة في المغرب، وقد وجد فيها التمنارتي ضالته المنشودة، فانبرى يلتهم الدروس والمتون، ففي مجالسها، وبين أيدي شيوخها الكبار، تكونت شخصيته العلمية، ونمت مداركه، واتسع أفقه..

ويفيدنا المحقق اليزيد الراضي في مقدمة تحقيق الفوائد الجمة، أنه أثناء إقامة التمنارتي بتارودانت، كان يرحل من حين لآخر، إلى مركزين ثقافيين آخرين، هما مركز إداوزداغ بجبل درن، ومركز تمنارت، ويتلقى منهما ما يتلقى من المعارف، ولذلك يمكن أن نقول بأن المراكز الثقافية التي رحل إليها التمنارتي، وتنقل بينهما لأخذ العلم ثلاثة:

1. مركز تمنارت: ففي هذا المركز تلقى تعليمه الأولي، ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما كان يرحل إليه من حين لآخر، بعد أن نزل تارودانت واستقر بها، بهدف زيارة مسقط رأسه، وعهد مراسم السلف هناك، وكان في تلك الزيارات يستغل الفرصة، فيحضر مجالس العلماء، ويأخذ عنهم..

2. ومركز تارودانت: وهذا المركز هو الذي أسهم إسهاما كبيرا في تكوين التمنارتيين من الناحية العلمية؛ لأنه وجد تارودانت عندما رحل إليها، تزخر بكبار العلماء، ووجد مساجدها تكتظ بالمجالس العلمية، فكان يحضر تلك المجالس، ويأخذ عن أولئك العلماء، حتى تضلع من مختلف العلوم الدينية واللغوية، وأصبح مؤهلا لأن يكون عالم تارودانت الكبير وقاضيها المحنك، ومفتيها المرموق، ومؤلفها اللامع في أواخر عصر السعديين..

3. مركز زداغة: وقد اشتهرت زاوية تافيلات -بإداوزداغ- بالتربية والتعليم، خاصة في أيام قيام يحيى الحاحي عليها بعد موت والده، نظرا لطول باعه في العلم، ولاسيما الحديث والتصوف، فجذبت شهرتها أبا زيد التمنارتي، فاتجه إليها كما ذكر في الفوائد الجمة عام 1017هـ، لأخذ الحديث عن يحيى الحاحي، وكان بعد ذلك يقصدها كل عام، في شهر رمضان، لمدارسة الحديث..

وبالرغم من أن علماء المغرب في هذا العهد، اشتهروا بالرحلة لطلب العلم، ورغبة في تنوع مصادر المعرفة، وحبا في ملاقاة العلماء، وطلب الإجازات؛ فإننا لا نعلم للتمنارتي رحلة علمية خارج سوس، ولعل ذلك يعود إلى أنه وجد في تارودانت من العلماء الفطاحل، كسعيد الهوزالي، ومحمد بن الوقاد.. وغيرهما، ما أغناه عن الرحيل إلى مناطق أخرى، فاشتغل بحضور مجالسهم العلمية، والتهام معارفهم، ولم ير حاجة للتوجه إلى درعة أو مراكش أو فاس..

لقد وجد التمنارتي حاضرة سوس، زاخرة بكبار العلماء، مليئة بالمجالس العلمية رفيعة المستوى، فتنقل بين هذه المجالس العلمية الشيقة، يملأ جعبته علما وفنا، ويهيئ نفسه لتبوء مكانة علمية مرموقة تليق بالمقام وترتقي بالهمم، وكان له طموح عريض، وهمة عالية، ورغبة صادقة في الاستفادة والتحصيل، تبعا لذلك نرى من المفيد أن نتعرف على الشيوخ الكبار، الذين كانوا سببا مباشرا في المكانة العلمية التي تبوأها صاحبنا التمنارتي، وقد تحدث عنهم بإسهاب في الفوائد الجمة في سياق حركي حي متمثل في العطاء المستمر مع إبراز الشكل والمحتوى والدال والمدلول والسياق والمقصد بفضل من الله، ولعل هذا أيضا يعتبر إسهاما في التعريف بالحركة العلمية والفكرية ببلاد السوس في هذه الفترة الصعبة من تاريخ المغرب السياسي والثقافي وهؤلاء الشيوخ هم: والده محمد ابن أحمد بن إبراهيم المعافري التمنارتي المتوفى بتارودانت سنة 1007هـ؛ والإمام الخطيب المحدث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد التلمساني المعروف بابن الوقاد، المتوفى بتارودانت سنة: 1001هـ، قرأ عليه التمنارتي في تارودانت الحديث والفقه والعقائد والتفسير والعربية؛ والفقيه المحقق القاضي أبو عثمان سعيد بن عبد الله بن إبراهيم الجزولي السملالي العباسي المتوفى بتارودانت سنة: 1007هـ، قرأ عليه التمنارتي في تارودانت الفقه والأصول والعقائد والنحو والبلاغة؛ والفقيه الخطيب أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمرو بن أحمد البعقيلي، الجزولي المتوفى سنة: 1006هـ، قرأ عليه في تارودانت مقدمات علم النحو والعقائد وأوائل الكتب وعلم الإعراب والتصريف؛ وأبو عبد الله محمد بن مبارك السوسي التيوتي المعروف بأشخن، المتوفى سنة 1015هـ، قرأ عليه في تارودانت الفقه والنحو والعقائد والمنطق والقراءات وعلم المصطلح؛ والفقيه أبو محمد عبد الله بن علي بن حمزة الجزولي السملالي حضر التمنارتي دروسه في البداية وانتفع به؛ والفقيه العلامة القاضي سعيد بن علي الهوازلي السوسي، المتوفى بتارودانت سنة 1001هـ، قرأ عليه التمنارتي في تارودانت الأصول والتفسير والعربية والتصوف؛ والفقيه الأديب الفرضي اللغوي أبو زيد عبد الرحمان بن عمرو بن أحمد الجزولي البعقيلي، المتوفى ببلده بعقيلة سنة 1006هـ، قرأ عليه في تارودانت النحو والعروض والتوقيت؛ وأبو علي منصور بن محمد بن يوسف بن محمد السوسي المومني، المتوفى ببلده بني مومن بسوس سنة 1000هـ، قرأ عليه في تارودانت الفقه والأصول والبلاغة والعقائد والمنطق؛ والفقيه المشارك أبو عثمان سعيد بن عبد الله بن يدير التملي المتوفى سنة 1003هـ، حضر دروسه سنة كاملة في الفقه والعربية والعقائد والأصول والبيان؛ والفقيه الأديب اللغوي أبو عبد الله محمد بن علي السوسي الهوزالي المعروف بالنابغة المتوفى بمراكش سنة 1012هـ، قرأ عليه صحيح البخاري؛ وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن موسى الجزولي التمنارتي، المتوفى بتمنارت سنة: 1039هـ، أخذ عنه الحديث؛  والفقيه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم التمنارتي المتوفى سنة 1048هـ، حضر دروسه في الفقه والأصول والعربية ؛ و أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الكريم الضرير التمنارتي المتوفى سنة 1048هـ، سمع منه بعض المواعظ والحكم ؛ والفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد الجزولي الرسموكي المشهور بواخو، نزيل تمنارت المتوفى سنة 1016هـ، كان يحضر دروسه في الفقه والعربية والحساب والعقائد والتصريف، إذا زار بلدته تمنارت؛ والفقيه المحدث أبو العباس أحمد بن أحمد ابن الفقيه الحاج أحمد بن عمر بن محمد أقيت الصنهاجي السوداني المتوفى بمسقط رأسه تمبوكتو سنة 1036هـ أجازه بالمراسلة؛ والفقيه الزاهد المتورع أبو العباس أحمد بن مسعود الهوزالي المتوفى سنة 1030هـ، صحبه التمنارتي، وانتفع به، وأبو زيد عبد الرحمان بن محمد بن الوقاد التلمساني المتوفى بتارودانت سنة 1057هـ، سمع منه، صحيح البخاري وأجازه ؛ والفقيه المحقق أبو مهدي عيسى بن عبد الرحمان السجتاني السوسي، المتوفى بمراكش سنة 1062هـ، حضر دروسه في الأصول والفروع وغيرها أيام ولايته لقضاء الجماعة بسوس؛ والأستاذ أبو عمران موسى بن أحمد التدماوي المتوفى سنة 1003 هـ، أخذ عنه علم القراءات في تارودانت؛ والأستاذ أبو علي الحسن بن إبراهيم الخالدي السجتاني المتوفى سنة 1030هـ، أخذ عنه علم القراءات في تارودانت؛ والأستاذ أبو العباس أحمد بن يحيى السوسي التينزرتي المتوفى بمكة سنة 1030هـ، أخذ عنه علم القراءات في تارودانت؛ والأستاذ إبراهيم بن سليمان الهشتوكي المتوفى عن سن عالية في صفر سنة 1058هـ، أخذ عنه علم القراءات؛ والأستاذ المحقق أبو عبد الله محمد بن علي الجزولي الأنسوي الكفيف، المتوفى بزاوية زداغة سنة 1009هـ؛ والأستاذ أبو عبد الله محمد بن علي السجتاني المعروف بالفاسي المتوفى سنة 1050هـ، قرأ عليه صدرا من الشاطبية وأوائل الأصول. وإلى جانب شيوخ التعليم هؤلاء، هناك شيوخ له في التربية، أو الطريقة، ذكرهم في الفوائد الجمة، وهم: أبو محمد عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي، المتوفى بزداغة سنة 1012هـ، حضر التمنارتي مجلس تذكيره مرة واحدة؛ وأبو زكرياء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي، المتوفى سنة 1035هـ، قرأ عليه بزداغة كتب الحديث والتصوف؛ والشيخ أبو عبد الله محمد بن مسعود الهنظيفي المعروف بـ أكربان المتوفى سنة 1012هـ، حضر التمنارتي مجلسه يوما بهنظيفة؛ وأبو عبد الله محمد بن عثمان بن إبراهيم الجزولي التمنارتي المتوفى سنة 1016هـ، وهو الذي أرشد صاحبنا التمنارتي –في إشارة حضارية ذوقية إنسانية- لتفقد مراسم سلفه بتمنارت؛ و أبو محمد عبد الله بن المبارك بن علي ابن الوالي الصالح البركة أبي عبد الله محمد بن المبارك السوسي الأقاوي، المتوفى سنة 1015 هـ، زاره التمنارتي في بلده عام 1015هـ، وقرأ عليه كتب الحديث والتصوف؛ يقول ليزيد الراضي في مقدمة تحقيق الفوائد الجمة (ص: 23-24): "هؤلاء هم شيوخ التمنارتي، الذين ترجم لهم في الفوائد الجمة، وهم شيوخ كبار، وعلماء وأساتذة أفذاذ، استقوا معارفهم من مختلف الجهات، فأوى معظمهم إلى تارودانت، وكونوا فيها مركزا ثقافيا، لا يقل أهمية عن بقية المراكز الثقافية في المغرب إذ ذاك، بل عن تارودانت لم تبلغ قبلهم ولا بعدهم مثل ما بلغته في عهدهم، من ازدهار علمي، ونشاط فكري وأحر بمن كان هؤلاء شيوخه، ولا زم مجالسهم بصدق طلب، وقوة عزيمة، أن يطول باعه في المعارف، وترسخ قدمه في العلوم العربية والإسلامية، وتتسع مجالات ثقافته لتشمل كل العلوم الرائجة، والفنون المتداولة..                                                              


 استخلاص بعض جوانب البيئية العلمية والفكرية في بلاد السوس، وحاضرة تارودانت بالخصوص

إن التعمق في دراسة كتب الفهارس من شأنه إضاءة جوانب من الحياة العلمية والفكرية ضمن جدلية العلم والعمران بفضل من الله، ونعرف أيضا أن أي بعث ثقافي من أي نوع كان لابد له من مرجعية وتاريخ وإرث ثقافي يستحضره ويستلهمه لاسيما إذا ضعفت الهمم كما هو الحال اليوم، وفيما يلي لائحة مستخلصة من الفوائد الجمة تبرز مجالات ثقافة التمنارتي، والكتب التي قرأها على شيوخه في كل مجال، وهو ما يعطي نظرة موضوعية عن ثقافة العصر وعن علاقة العلم بالمجتمع، ففي الفقه  قرأ رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومختصر خليل، والمختصر الفرعي لابن الحاجب، والشامل لبهرام، وفي الأصول قرأ التمنارتي المختصر الأصلي لابن الحاجب، وتنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول  للقرافي، ورفع النقاب عن تنقيح الشهاب للشوشاوي، وجمع الجوامع للسبكي، وإيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي، وفي التفسير والقراءات والرسم قرأ تفسير ابن جزي، والتسهيل لعلوم التنزيل، والخراز على الرسم، ومورد الظمآن، والدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع لابن بري، والشاطبية في القراءات السبع، وفي الحديث ومصطلحه والسيرة قرأ  ألفية العراقي في المصطلح، والشفاء للقاضي عياض، وصحيح  البخاري، والأنوار السنية لابن جزي، وفي العقائد قرأ مقدمة الوغليسي، وشرح الوغليسية لزروق، وعقائد السنوسي، وشروحها، ومحصل المقاصد لابن زكري، وفي المنطق قرأ مقدمة السنوسي في المنطق، ومقدمة البقاعي إيساغوجي، وفي التصوف قرأ التمنارتي العلوم الفاخرة للثعالبي، والمنهاج للغزالي، وجزء الحبشي في الأدب، وفي فن النحو قرأ ألفية ابن مالك، ولامية الأفعال لابن مالك، والأجرومية لابن آجروم، وفي مجال البلاغة والعروض قرأ، تلخيص المفتاح للقزويني، والخزرجية، وفي الفلك والتوقيت والحساب، قرأ تلخيص ابن البناء في الحساب، وروضة الأزهار..

وهذه المقروءات الكثيرة التي مست جوانب ثقافية متعددة، من شأنها أن تعمق ثقافة من أخذها بهمة عالية كما أخذها التمنارتي بقوة مما وسع مداركه، وجعله مؤهلا علميا وفكريا وإنسانيا لحمل مشعل الثقافة الإسلامية بالسوس، بل في مختلف مناطق المغرب خصوصا في الحواضر العلمية الكبرى، كالزاوية الدلائية، ومراكش وفاس، فقد رحل أولئك الأعلام، وبقي التمنارتي يحمل لواء الثقافة العالمة في تارودانت، وحاز قصب السبق العلمي ببلاد جزولة في أواخر عصر السعديين..

قال اليزيد الراضي محقق الفوائد الجمة في المقدمة: "تولى التمنارتي قضاء الجماعة بمدينة تارودانت حوالي ثلث قرن، فغلب عليه وصف قاضي تارودانت، وصار يعرف به أكثر مما يعرف به غيره ممن تعاقبوا على قضائها، وقد اشتهر بين الناس بعدله وصلاحه وعدم خوفه -في قول الحق- لومة لائم، ويبدو من حديثه في الفوائد الجمة، أنه كانت له رغبة قوية في أن يترسم في قضائه خطوات شيخه سيدي سعيد الهوزالي، الذي ضرب المثل باستقامته، وتحريه الحق، والتزامه جانب العدل في أحكامه..".

وقد ذكر التمنارتي في الفوائد الجمة، أنه ولي القضاء في عهد الأمير يحيى الحاحي الذي استقل بتارودانت وما حولها من الجهة الشمالية، وقد حدث بينه وبين قاضي تارودانت إذ ذاك أبي مهدي عيسى السجتاني، سوء تفاهم، بسبب إنكار السجتاني عليه تمرده على السلطان زيدان بن أحمد المنصور، وعدم موافقته له على الخروج عن طاعته، فغادر السجتاني تارودانت خوفا على نفسه في اتجاه مراكش، وترك منصب القضاء شاغرا فأسنده الأمير يحيى إلى تلميذه التمنارتي، الذي قام بواجبه أحسن قيام، على نحو ما يحدثنا هو نفسه في الفوائد الجمة إذ قال رحمه الله: "ولما تم له أي ليحيى الحاحي أمر سوس، قدمني لقضائها، فوجدت لقاعدتها تارودانت قد دثرت محاسنها، وغلب على عذبها آسنها، معكوسة الرجاء من سائر الأرجاء، معطلة الأحباس عن سائر الأجناس، وكسدت سوق العلم والفضل، ونفق سوق الغي والجهل، وسعيت في رم داثرها، وأعملت التصرف في تعمير غامرها حتى بهج جمالها، وعاد إليها كمالها، وصلت وظائفها الدينية إلى قبلتها، واستقرت مرافقها على منصتها، وأشرق بها وجه الدين، وتنافس في المعارف طوائف الطالبين، ونمت أحباسها من العشر إلى العشرين، واغتبط بها كهول الطلبة وشبان التمرين"، فانظر أيها القارئ الكريم هذا الحس العمراني والوعي الإنساني والحضاري الذي يتكلم به التمنارتي، وهو أيضا إعلان عن علاقة العلم-مجسدا هنا في القضاء الأعلى- بالعمران في جوانبه المادية والروحية، تجلت في الإقبال على العلم وانتشار الحبُس وازدهار معطيات الاجتماع الإنساني بفضل من الله؛  واستمر التمنارتي في منصبه القضائي، وأضيف إليه منصب الإفتاء إلى أن،  حدث خلاف بينه وبين الأمير الثائر يحيى الحاحي، بشأن الأحباس، إذا جرت العادة بأن توكل إلى نظر القاضي، فأراد الأمير لما رآها كثيرة، أن يستعين بها لتقوية جيشه، فلم يوافقه التمنارتي على ذلك ولم ينفذ أوامره في هذا الشأن، فلما اتسعت شقة الخلاف، عزل الأمير التمنارتي عن القضاء، وكان هذا العزل قبل موت الأمير بنحو سنتين، أي حوالي 1033هـ، وتولى القضاء أيضا في عهد  الأمير أبو حسون السملالي بودميعة الذي استولى على تارودانت عام 1039هـ، فأسند قضاءها إلى التمنارتي الذي سار بها من جديد على سنن القضاء القويم، على حد ما وصف عندما قال: "فقدمني للقضاء بها أيضا، فأعادها الله سيرتها الأولى، ورد عليها طريقتها المثلى، وقعدت على منصبه علاها، وتربيت في بهجة حلاها.. ".

وقد سعى به من جديد بعض حساده، فعزله والي تارودانت لكن بعد أسبوع فقط، أخبر الأمير بودميعة بعزله، فرده إلى منصبه وبقي في هذا المنصب إلى وفاته، كما ذكر داود الكرامي في بشارة الزائرين، وحديث التمنارتي عن ولايته لقضاء تارودانت يرشح بأمور منها: بذله الجهود المشكورة لإقامة القضاء على قواعده الشرعية والسير به على النهج السليم، والتزام جانب العدل، مهما كلفه ذلك من ثمن، وحبه لتارودانت، ورغبته في تطهيرها من الجور والفساد، وهو بذلك يعبر عن خلق الوفاء والاعتراف بالجميل، فقد كونته تارودانت وجادت عليه بعلمها وعوضته دارا خير من داره، وأهلا خيرا من أهله، فأراد أن يقدم لها بعض الشكر، وأن يرد لها بعض الجميل، فسخر علمه ومنصبه لخدمتها، وإبعاد شبح الظلم والفتنة عنها[2].

خلف التمنارتي شيوخه في حمل راية العلم والصلاح بتارودانت، واضطلع بعدهم بأعباء مسؤولية التثقيف والتكوين، وتصدر للتدريس شطرا كبيرا من حياته، فقصده الطلاب من مختلف الجهات، وتنافسوا على حضور مجالسه التدريسية؛ لأنه لا يوجد في تارودانت من يضاهيه في علمه واجتهاده، كما شهد بذلك تلميذه  الصاعقة أبو علي اليوسي إذا اعتبره عالم وحده في تارودانت.

ونستفيد من حديث التمنارتي عن اشتغاله بالتدريس: أن مقر تدريسه هو الجامع الكبير بتارودانت (الصور)، وأن المواد التي يدرسها هي التفسير والحديث والفقه والأصول والعقائد وغيرها، وأن الذين يحضرون مجالسه هم الفقهاء وكبار الطلبة، أي أن الدروس التي يلقيها دروس عالية المستوى، لا يحضرها إلا العلماء ونجباء الطلبة.

ولا شك أن تلاميذ التمنارتي سيكون عددهم كبيرا جدا، نظرا لغزارة علمه، واشتهار فضله، ونظرا كذلك لاشتغاله بالتدريس مدة طويلة، إلا أن كتب التراجم لم تذكر من هؤلاء التلاميذ إلا عددا محدودا جدا، لا يمكن أن يمثل إلا نسبة ضئيلة من تلاميذه الكثيرين، وإذا كنا نعرف الآن من تلاميذه ما يقارب العشرين؛ فإن الفضل في معرفة أكثرهم يعود إلى التمنارتي نفسه، إذ ضمن بعض إجازاته أسماء جملة من تلاميذه..

وتلاميذه الذين عرفناهم على التحقيق هم: أبو علي الحسن ابن مسعود اليوسي المتوفى سنة 1202هـ، وأبو عبد الله محمد بن سعيد المرغيتي السوسي المتوفى بمراكش سنة 1090هـ، وأحمد بن عبد الرحمان التمنارتي ولده؛ و محمد بن عبد الرحمان التمنارتي ولده، ومحمد بن أبي بكر بن محمد بن علي الصوابي، وعبد الرحمان بن يوسف بن محمد الأوسيمي نسبا الروداني مولدا، والفقيه منصور بن أحمد ابن القاضي سعيد بن علي الهوزالي، والأديب محمد بن محمد التاملي، وأبو زكرياء يحيى بن محمد بن الحسن بن أبي القاسم بن عبد العزيز الجزولي اللكوسي، والفقيه علي  بن عبد المومن بن منصور المومني، وأحمد بن محمد بن محمد بن مسعود التيدسي، وعلي بن محمد بن محمد الدغوغي  وعبد الله بن إبراهيم بن مبارك بن الشراضي الشباني، ومحمد بن إبراهيم الصوابي، والفقيه القاضي محمد بن علي المصلوحي، والفقيه أحمد بن علي الصنهاجي، والأديب عبد الرحمان بن محمد بن موسى الحامدي، ومحمد بن الحسن بن أحمد الصوابي..

ومن مؤلفات التمنارتي نذكر: الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة، وشرح منظومة الجزائري في التوحيد، وهذه المنظومة التي شرحها هي لامية أبي العباس أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري المتوفى سنة 884هـ/ 1479م، ومطلعها:

الحمد لله وهـــو الواحد الأزلــــي        سبحانه جل عن شبه وعن مثل

وهي قصيدة في التوحيد بلغت أبياتها 362 بيت، وتسمى كفاية المريد، في علم التوحيد، كما تعرف أيضا بـ اللامية الجزائرية والمنظومة الجزائرية، وأصل هذا الشرح دروس كان يلقيها التمنارتي على طلبة العلم بالجامع الكبير بتارودانت، ثم بدا له أن يجمعها، ليعم الانتفاع بها، كما أشار إلى ذلك، إذ قال في المقدمة: "وبعد، فهذا تقييد ما تيسر، مما يعين على فهم أرجوزة الإمام العالم العلامة أبي العباس أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري رحمه الله ورضي عنه، فإنها الحلاوة نظمها، وقرب فهمها وعموم النفع بها، ينبغي الاعتناء بها، وقد كانت نكت عزيزة، وأبحاث نافعة، تجري لنا عند إقرائها في الجامع الكبير، بمدينة تارودانت، قاعدة السوس الأقصى، أمنها الله تعالى فأردت جمعها في هذا التقييد، ليكمل النفع بها إنشاء الله، ومنه التوفيق، والهداية إلى التحقيق.. ".

 يقول اليزيد الراضي في مقدمة تحقيق الفوائد الجمة: "ويمتاز هذا الشرح بعمق مباحثه، وسعة أفقه، مما يعكس تضلع التمنارتي في العلوم الشرعية، وقد تعامل فيه مع أمهات الكتب في العقائد وغيرها، يضاف إلى ذلك أنه طبعه بأسلوبه الأدبي الرائع، وأورد فيه من الأبيات والمقطوعات والقصائد ما خرج به عن جفاف التقريرات العقدية، وأعطاه طعما خاصا، يجذب القارئ إليه، ويغريه بمتابعة القراءة دون ملل أو نفور، ولعل هذا الأسلوب الأبي الجميل يتضح بصفة خاصة في قوله في آخر الشرح: وهنا انتهى المقصود من هذا الشرح المبارك تقبله الله مني، وجعله نافعا بفضله، كما نفع العباد بأصله، إنه الولي المنعم القريب المجيب، وقد أودعته من محاسن البيان ما يشفي الصدور، ويزري في التألق بمطالع البدور، وتلمع على جبين الدهر غرره، وتزهر على الأيام درره، ورويت من معين عيون التصانيف أواره، واجتنيت من روض التحقيق ثماره وأنواره (..) وقد صادف تمام انصبابه من القلم، وانتشار جوهره من العدم، تمام ذي قعدة الحرام، من سنة ثمان وأربعين وألف، وإلى الله الضراعة في أن يجعله سببا لشريف رضوانه، ومهبط ألطافه وعظيم إحسانه.. ".

والحق -كما يقول المحقق ليزيد الراضي- أن هذا الشرح كان كما وصفه صاحبه في هذه الكلمات، فإذا أثنى عليه جريا على عادة المؤلفين في إطراء مؤلفاتهم لتشويق القراء إليها؛ فإن إطرائه في محله، وليس فيه مبالغة أو تمويه، ومن يرجع إلى هذا الشرح، سيدرك أنه مهم، وأن له قيمة متعددة الجوانب، فله قيمة عقدية تتجلى في بسطه لمباحث العقيدة، التي تعرضت لها منظومة الجزائري المشروحة، فقد وضح تلك المباحث، وفصل الكلام فيها، واستعرض -عند الاقتضاء- أقوال الطوائف المختلفة، واستشهد بأقوال أئمة هذا الفن، كالسنوسي وابن زكري التلمساني وغيرهما، وهذا الشرح غني جدا من هذه الناحية، وقارئه يجني منه فوائد علمية جليلة، وله قيمة أدبية، تتجلى فيما ورد فيه من أشعار والملح الأدبية، فقد أكثر فيه من إيراد ما يحضره أثناء الشرح، ويستدعيه المقام، وتتطلبه أريحيته الأدبية، من أبيات مفردة، ومقطوعات وقصائد، لدرجة أن هذه الأشعار أزالت عن شرحه ما تتسم به عادة شروح العقائد من جفاف التقرير، وطغيان الاستدلال والاحتجاج.

فالتمنارتي تجذبه من حين لآخر الأريحية الأدبية، فيستطرد لسبب أو لآخر، ويأتي بأبيات شعرية تتعلق بمعنى من المعاني، وقد تجمح به نزعته الأدبية، فيدخل دخولا رفيقا في صميم بعض المباحث الأدبية، كأن يورد أبيات لشعراء مختلفين تدور حول معنى واحد، أو يشير إلى تأثر الشعراء بعضهم ببعض، وفي هذه الحالة، يستعمل لفظ النظر المهذب، وله قيمة ثقافية، تتجلى في كونه يطلعنا على الطابع الذي يطبع ثقافة التمنارتي، ومن ثم يطلعنا على الطابع العام لثقافة ذلك العصر -وهذا مهم من زاوية التأريخ للفكر-، فنعلم منه أنها ثقافة دينية بالأساس، ولكنها نظرا لعمقها وسعة أفقها، تفتحت على مجالات مختلفة، كمجال الأدب واللغة وغيرها، ثم إن هذا الشرح وقد كانت نواته، كما أسلفنا، دروسا تعليمية ألقاها التمنارتي على طلبته في تارودانت يطلعنا على الطريقة التي كانت متبعة في التدريس عامة، وفي تدريس العقائد خاصة، حيث نجد من خلاله المدرسين ينطلقون من متن معين، ولكنهم لا يقفون عند حدود ما جاء فيه، بل يتجاوزونه، للتعمق في طرح القضايا التي يمسها أو يشير إليها، ومن هنا نجدهم يحرصون على إنارة الموضوع من مختلف جوانبه، فيوردون الإشكالات ويطرحون الأسئلة ويبحثون في المؤلفات المتعلقة بالفن المدروس، وعما يزيل تلك الإشكالات، ويجيب عن تلك الأسئلة وتتخلل كل ذلك استطرادات ونكت ولطائف تكسر الرتابة، وتطرد الملل؛ وله قيمة تاريخية واجتماعية، تتجلى في ما تضمنه من إشارات تاريخية واجتماعية، من شانها أن تلقي الضوء على المجتمع في ذلك الوقت، وتشير إلى بعض ما يجري فيه من أحداث، كظهور بعض البدع، والتهالك على السلطة، وانتشار الكيد والحسد والمنافسة في صفوف الفقهاء، ديوان شعره: هذا الديوان جمعه أحد أبناء التمنارتي، كما يدل على ذلك التعبير بالوالد في أماكن كثيرة منه، وقد سقط -بفعل الأرضة- اسم هذا الجامع في آخر الديوان، إلا أن الأستاذ محمد المنوني ذكر في كتبه المصادر العربية لتاريخ المغرب، أن ديوان التمنارتي من جمع ولده محمد، والحال أن التحقيق الذي قام به الأستاذ الفاضل ليزيد الراضي لكتاب "الفوائد الجمة" عميق وممتع، ومن شأن هذا المؤلف النفيس أن يضيء الكثير من جوانب الثقافة الإسلامية بالسوس والمغرب في أواخر العهد السعدي..

رحم الله الإمام التمنارتي، وجازاه عن سوس والمغرب والإنسانية خيرا، والله الموفق للخير والمعين عليه.

-------------------------------------
1. انظر مناقب الحضيكي، ج: 2، ص: 73.
2. انظر مقدمة ليزيد الراضي في تحقيقه لكتاب الفوائد الجمة.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها