الأندلس
وصف إشبيلية ومنتزهاتها

 

 

أنظر بانوراما إشبيلية (1)  (2)  (3)  الوادي الكبير

[إشبيلية وإقليمها]


ومن أعظم مدن الأندلس إشبيلية - قال الشقندي: من محاسنها اعتدال الهواء، وحسن المباني، ونهرها الأعظم الذي يصعد المدّ فيه اثنين وسبعين ميلاً ثم يحسر، وفيه يقول ابن سفرٍ (1) :
شقّ النسيم عليه جيب قميصه ... فانساب من شطيّه يطلب ثاره
فتضاحكت ورق الحمام بدوحها ... هزءاً فضمّ من الحياء إزاره وقيل لأحد من رأى مصر والشام: أيهما رأيت أحسن؟ أهذان أم إشبيلية؟ فقال بعد تفضيل إشبيلية: شرفها غابةٌ بلا أسد، ونهرها نيلٌ بلا تمساح، انتهى.
ويقال: إن الذي بنى إشبيلية اسمه يوليش (2) ، وإنّه أول من سمّي قيصر، وإنّه لما دخل الأندلس أعجب بساحاتها وطيب أرضها وجبلها المعروف بالشّرف (3) فردم على النهر الأعظم مكاناً، وأقام فيه المدينة، وأحدق عليها بأسوارٍ من صخرٍ صلدٍ، وبنى في وسط المدينة قصبتين بديعتي الشأن تعرفان بالأخوين، وجعلها أمّ قواعد الأندلس، واشتق لها اسماً من رومية، ومن اسمه، فسمّاها رومية يوليش، انتهى.
وقد تقدّم شيءٌ من هذا.
وكان الأوّلون من ملوك الأعاجم يتداولون بسكناهم أربعة (4) من بلاد الأندلس: إشبيلية، وقرطبة، وقرمونة (5) ، وطليطلة، ويقسمون أزمانهم على الكينونة بها.
وأما شرف إشبيلية فهو شريف البقعة، كريم التربة، دائم الخضرة، فرسخ في فرسخ طولاً وعرضاً، لا تكاد تشمس فيه بقعةٌ لالتفاف زيتونه.
واعلم أن إشبيلية لها كورٌ جليلةٌ، ومدنٌ كثيرةٌ، وحصونٌ شريفةٌ، وهي من الكور المجندة، نزلها جند حمص ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق. وانتهت جباية إشبيلية أيام الحكم بن هشام إلى (6) خمسة وثلاثين ألف دينارٍ ومائة دينار.
وفي إقليم طالقة من أقاليم إشبيلية وجدت صورةً جاريةً من مرمرٍ معها صبي، وكأن حيّةً تريده، لم يسمع في الأخبار ولا رثي في الآثار صورةٌ أبدع منها، جعلت في بعض الحمامات وتعشّقها جماعةٌ من العوام (7) .
وقي كورة ماردة (8) حصن شنت أفرج في غاية الارتفاع، لا يعلوه طائرٌ البتة لا نسرٌ ولا غيره.
ومن عجائب الأندلس البلاط الأوسط من مسجد جامع أقليش (9) ، فإن طول كل جائزة (10) منه مائة شبر وأحد عشر شبراً، وهي مربعة منحوتة مستوية الأطراف.
وقال بعض من وصف إشبيلية (11) : إنها مدينة عامرة على ضفة النهر الكبير المعروف بنهر قرطبة، وعليه جسر مربوط بالسفن، وبها أسواق قائمة، وتجارات رابحة، وأهلها ذوو أموال عظيمة، وأكثر متاجرهم الزيت، وهو يشتمل على كثير من إقليم الشّرف، وإقليم الشرف على تل عال من تراب أحمر مسافته أربعون ميلاً في مثلها، يمشي بها (12) السائر في ظل الزيتون والتين، ولها - فيما ذكر بعض الناس - قرىً كثيرة، وكل قرية عامرة بالأسواق والديار الحسنة والحمامات وغيرها من المرافق.
وقال صاحب مناهج الفكر (13) ، عند ذكر إشبيلية: وهذه المدينة من أحسن مدن الدّنيا، وبأهلها يضرب المثل في الخلاعة، وانتهاز فرصة الزمان الساعة بعد الساعة، ويعينهم على ذلك واديها الفرج، وناديها البهج، وهذا الوادي يأتيها من قرطبة، ويجزر في كل يوم، ولها جبل الشرف، وهو تراب أحمر طوله من الشمال إلى الجنوب أربعون ميلاً، وعرضه من المشرق إلى المغرب اثنا عشر ميلاً، نشتمل على مائتين وعشرين قرية، قد التحفت بأشجار الزيتون واشتملت، انتهى.

[متفرجات إشبيلية]

وفي إشبيلية - أعادها الله - من المتفرّجات والمتنزهات كثيرٌ، ومن ذلك مدينة طريانة، فإنّها من مدن إشبيلية ومتنزهاتها، وكذلك تيطل، فقد ذكر ابن سعيدٍ جزيرة تيطل (14) في المتفرجات.


 [عودٌ إلى ذكر إشبيلية]


وقال بعضهم في إشبيلية: إنها قاعدة بلاد الأندلس وحاضرتها، ومدينة الأدب واللهو والطرب، وهي على ضفة النهر الكبير، عظيمة الشأن، طيبة المكان، لها البر المديد، والبحر الساكن، والوادي العظيم، وهي قريبة من البحر المحيط؛ إلى أن قال: ولو لم يكن لها من الشّرف إلا موضع الشّرف المقابل لها المطلّ عليها المشهور بالزيتون الكثير الممتد فراسخ في فراسخ لكفى (15) ، وبها منارة في جامعها بناها يعقوب المنصور، ليس في بلاد الإسلام أعظم بناء منها. وعسل الشرف يبقى حيناً لا يترمّل ولا يتبدّل، وكذلك الزيت والتين.
وقال ابن مفلح (16) : إن إشبيلية عروس بلاد الأندلس، لأن تاجها الشرف، وفي عنقها سمط النهر الأعظم، وليس في الأرض أتم حسناً من هذا النهر، يضاهي دجلة والفرات والنيل، تسير القوارب فيه للنزهة والسير والصيد تحت ظلال الثمار، وتغريد الأطيار، أربعة وعشرين ميلاً، ويتعاطى الناس السّرج من جانبيه عشرة فراسخ في عمارة متصلة ومنارات مرتفعة وأبراج مشيدة، وفيه من أنواع السمك ما لا يحصى. وبالجملة فهي قد حازت البر والبحر، والزرع والضّرع، وكثرة الثمار من كل جنس، وقصب السكر، ويجمع منها القرمز الذي هو أجلّ من اللّك (17) الهندي، وزيتونها نخزن تحت الأرض أكثر من ثلاثين سنة، فيخرج منه أكثر ممّا يخرج منه وهو طري، انتهى ملخصاً.
ولما ذكر ابن اليسع الأندلس قال: لا يتزوّد فيها أحد ماءً حيث سلك، لكثرة أنهارها وعيونها، وربما لقي المسافر فيها في اليوم الواحد أربع مدائن، ومن المعاقل والقرى ما لا يحصى، وهي بطاح خضر، وقصور بيض. انتهى.

__________
(1) ابن سفر: أبو عبد الله محمد بن سفر الأديب (ويكتب اسمه أيضاً بالصاد) وهو من ناحية المرية وسكن إشبيلية، وسيترجم له المقري. (انظر تحفة القادم: 101 والوافي 3: 114 والمغرب 2: 212) . وبيتاه في التحفة. وفي ج: ابن سعيد.
(2) ق ك ط: توليس، ج: يولوس؛ وهو يوليس قيصر (Julius Caesar) ،
(3) سيأتي وصف " شرف إشبيلية " في النصوص التالية، وانظر أيضاً الروض المعطار: 19.
(4) ك: أربعة بلاد.
(5) قرمونة (Carmona) مدينة إلى الشمال الشرقي من إشبيلية على عد 35 كيلومتراً وكانت كورة واسعة تضم عدة مدن وحصون. (راجع الروض المعطار: 158) .
(6) إلى: سقطت من ق ط ج، وكتب فيها " خمسة وثلاثون ".
(7) انظر الروض المعطار: 122 في وصف طالقة، ونصاً تفصيلياً عن الصورة المذكورة: 123.
(8) ماردة: مدينة بينها وبين بطليوس عشرون ميلاً، قال الرازي: كانت قاعدة الأندلس وقرارة الملك، بنيت في زمن قيصر اكتيبان (Octavian) وهي على نهر آنة، وفي عملها كثير من المدن، وكان لها من القرى والحصون ما يزيد على ثلاثة آلاف قرية كلها متصلة بعضها ببعض بالغروسات والأشجار والزيتون واعنب (مخطوط الرباط: 48) .
(9) اقليش: (Ucles) قاعدة كورة شنتبرية.
(10) لجائزة: الخشبة التي تحمل خشب البيت، اي الدعامة، وفي اللسان " الجائز " دون تاء التأنيث.
(11) انظر الروض المعطار: 19 ومخطوطة الرباط: 53.
(12) ك: به.
(13) هنالك كتاب باسم " مباهج الفكر ومناهج العبر " لمحمد بن عبد الله الأنصاري، عاد فذكره حاجي خليفة باسم " مناهج الفكر " وقال إن الاسم الصحيح بالنون، ومؤلفه جمال الدين محمد ابن إبراهيم الوطواط (- 718) ويقول الأستاذ خير الدين الزركلي إنه في الكيمياء والطبيعة وهو في ستة مجلدات، قلت: وقد اطلعت على المجلدين الثالث والرابع منه بالخزانة العامة بالرباط وهما يشملان البات والحيوان (وفي ك: منهاج الفكر) .

(14) ط ق ج: قبطل - في الموضعين -.
(15) لكفى: سقطت من ط ج ق، اكتفاء، وفي دوزي: لكفاها.
(16) لعله المؤرخ إبراهيم بن محمد بن مفلح (- 884) قاضي دمشق (الضوء اللامع 1: 152) .
(17) قد تقدم ذكر القرمز وأنه نوع من المن الذي يجمع عن الشجر، أما الملك فإنه مادة شبيهة به تدخل في تركيب الأدوية (ابن البيطار 4: 110)

 

من نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب للمقري.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها