إسهامُ نِسَاء طنجة في نهضة التّعليم بالمغرب 1930م - 1956م

قد لا نُخطئ الحقيقة إذا قُلنا إنّ الحديث عن المرأة المغربية المتعلِّمَة، التعليمَ العصريّ، لا يكون مُتاحا للدّارس إلّا مع بداية القرن العشرين الميلادي، أي بعد ما صار للأوروبيين بالمغرب مُستقرٌ ومُقامٌ. وكان هؤلاء قبل الحماية قد أنشؤوا - في إطار سياسة التّدَخُّل السِّلْمِيّ- العديد من المؤسّسات التعليمية لتربية وتثقيف أولادهم، وكان من تَبِعات هذا أنْ جلبوا إلى بلادنا مناهج جديدة في التعليم لم يكن للمغاربة بها عهد، وفضلا عن المدرسة تَعرّفنا بواسطتهم على وسائل جديدة لِبَثِّ الثقافة والمعلومة كالجريدة والمطبعة والمسرح. 

 
 
(قرطبة (الجامع الكبير
(قرطبة (الجامع الكبير

 

 

 

أنظر خريطة الجامع مفصلة بالصور.

أنظر أبواب الجامع.

أنظر تصميم الجامع من أجل مشاهدة الصور مرر الفأرة فوق الأرقام.

أنظر مقالة حول الحياة العلمية بقرطبة وغرناطة

 [مسجد قرطبة]
وأمّا مسجد قرطبة فشهرته تغني عن كثرة الكلام فيه، ولكن نذكر من أوصافه وننشر من أحواله ما لا بدّ منه، فنقول:
قال بعض المؤرخين: ليس في بلاد الإسلام أعظم منه، ولا أعجب بناء وأتقن صنعة، وكلّما اجتمعت منه أربع سواري كان رأسها واحداً، ثم صف رخام منقوش بالذهب واللازورد في أعلاه وأسفله، انتهى.
وكان الذي ابتدأ بنيان (1) هذا المسجد العظيم عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل، ولم يكمل في زمانه، وكمله ابنه هشام، ثمّ توالى الخلفاء من بني أميّة على الزيادة فيه، حتى صار المثل مضروباً به، والذي ذكره غير واحد أنّه لم يزل كل خليفة يزيد فيه على من قبله إلى أن كمل على يد نحو الثمانية من الخلفاء.
وقال بعض المؤرخين: إن عبد الرحمن الداخل لما استقر أمره وعظم (2) بنى القصر بقرطبة، وبنى المسجد الجامع، وأنفق عليه ثمانين ألف دينار، وبنى بقرطبة الرّصافة تشبيهاً برصافة جده هشام بدمشق.
وقال بعض (3) : إنّه أنفق على الجمع ثمانين ألف دينار، واشترى موضعه إذ كان كنيسة بمائة ألف دينا، فالله تعالى أعلم.
وقال بعض في ترجمة عبد الرحمن الداخل ما صورته: إنّه لما تمهّد ملكه شرع في تعظيم قرطبة، فجدد مغانيها، وشيّد مبانيها، وحصّنها بالسور، وابتنى قصر الإمارة والمسجد الجامع، ووسع فناءه، وأصلح مساجد الكور، ثم ابتنى مدينة الرّصافة متنزهاً له، واتخذ بها قصراً حسناً، وجناناً واسعة، نقل إليها غرائب الغراس وكرائم الشجر من بلاد الشام وغيرها من الأقطار، انتهى.
وكانت أخته أم الأصبغ ترسل إليه من الشام بالغرائب، مثل الرّمان العجيب الذي أرسلته إليه من دمشق الشام كما مرّ، وسيأتي كلام ابن سعيد بما هو أتم من هذا.
ولما ذكر ابن بشكوال زيادة المنصور بن أبي عامر في جامع قرطبة قال (4) : ومن أحسن ما عاينه الناس في بنيان هذه الزيادة العامريّة أعلاج النصارى مصفّدين في الحديد من أرض قشتالة وغيرها، وهم كانوا يتصرّفون في البنيان عوضاً من رجّالة المسلمين، إذلالاً للشّرك وعزةً للإسلام، ولما عزم على زيادته هذه جلس لأرباب الدور التي نقلها أصحابها عنها بنفسه، فكان يؤتى بصاحب المنزل فيقول له: إن هذه الدار التي لك يا هذا أريد ابتياعها (5) لجماعة المسلمين من مالهم ومن فيئهم لأزيدها في جامعهم وموضع صلاتهم، فشطّط واطلب ما شئت، فإذا ذكر له أقصى الثمن أمر أن يضاعف له، وأن تشترى له بعد ذلك دار عوضاً منها، حتى أتي بامرأة لها دار بصحن الجامع فيها نخلة، فقالت: لا أقبل عوضاً إلاّ داراً بنخلة، فقال: تبتاع لها دار بنخلة، ولو ذهب فيها بيت المال، فاشتريت لها دار بنخلة، وبولغ في الثمن؛ وحكى ذلك ابن حيّان أيضاً.
وقيل: إن إنفاق الحكم في زيادة الجامع كان مائة ألف وواحداً وستين ألف دينار ونيّفاً، وكلّه من الأخماس.
وقال صاحب كتاب مجموع المفترق: وكان يقف البلاط من المسجد الجامع من القبلة إلى الجوف قبل الزيادة مائتين وخمسة وعشرين ذراعاً، والعرض من الشرق إلى الغرب قبل الزيادة مائة ذراع وخمسة أذرع، ثم زاد الحكم في طوله مائة ذراع وخمسة أذرع، فكمل الطول ثلاثمائة ذراع وثلاثين ذراعاً، وزاد محمّد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في عرضه من جهة المشرق ثمانين ذراعاً، فتم العرض مائتي ذراع وثلاثين ذراعاً، وكان عدد بلاطاته أحد عشر بلاطاً، عرض أوسطها ستة عشر ذراعاً، وعرض كل واحد من اللذين يليانه غرباً واللذين يليانه شرقاً أربعة عشر ذراعاً، وعرض كل واحد من الستة الباقية أحد عشر ذراعاً، وزاد ابن أبي عامر فيه ثمانيةً عرض كل واحد عشرة أذرع، وكان العمل في زيادة المنصور سنتين ونصفاً، وخدم فيه بنفسه، وطول الصحن من المشرق إلى المغرب مائة ذراع وثمانية وعشرون ذراعاً، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة ذراع وخمسة أذرع، وعرض كل واحدة من السقائف المستديرة بصحنه عشرة أذرع، فتكسيره ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ومائة وخمسون ذراعاً، وعدد أبوابه تسعة: ثلاثة في صحنه غرباً وشرقاً وجوفاً، وأربعة في بلاطاته: اثنان شرقيان واثنان غربيّان، وقي مقاصير النساء من السقائف بابان، وجميع ما فيه من الأعمدة ألف عمود ومائتا عمود وثلاثة وتسعون عموداُ رخاماُ كلّها، وباب مقصورة الجامع ذهب، كذلك جدار المحراب وما يليه قد أجري فيه الذهب على الفسيفساء، وثريّت المقصورة فضّة محضة، وارتفاع الصومعة اليوم - وهي من بناء عبد الرحمن ابن محمد - ثلاثة وسبعون ذراعاً إلى أعلى القبّة المفتّحة التي يستدير بها المؤذن وفي رأس هذه القبة تفافيح (6) ذهب وفضّة، ودور كل تفاحة ثلاثة أشبار ونصف، فاثنتان من التفافيح ذهب إبريز، وواحدة فضّة، وتحت كل واحدة منها وفوقها سوسنة قد هندست بأبدع صنعة، ورمانة ذهب صغيرة على رأس الزج، وهي إحدى غرائب الأرض.
وكان بالجامع المذكور (7) في بيت منبره مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه الذي حطّه بيده، وعليه حلية ذهب مكلّلة بالدر والياقوت، وعليه أغشية الديباج، وهو على كرسيّ العود الرّطب بمسامير الذهب.
رجع إلى المنارة:
وارتفاع المنارة إلى مكان الأذان أربعة وخمسون ذراعاً، وطول كل حائط من حيطانها على الأرض ثمانية عشر ذراعاً، انتهى بحروفه. وفيه بعض مخالفة لما ذكره ابن الفرضي وبعضهم، إذ قال في ترجمة المنصور بن أبي عامر ما صورته (8) : وكان من أخبار المنصور الداخلة في أبواب البر (9) والقربة بنيان المسجد الجامع والزيادة فيه سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وذلك أنّه لما زاد الناس بقرطبة وانجلب إليها قبائل البربر من العدوة وإفريقية، وتناهى حالها في الجلالة، ضاقت الأرباض وغيرها، وضاق المسجد الجامع عن حمل الناس، فشرع المنصور في الزيادة بشقيه حيث تتمكّن الزيادة لاتصال الجانب الغربي بقصر الخلافة، فبدأ ابن أبي عامر هذه الزيادة على بلاطات تمتد طولاً من أول المسجد إلى آخره، وقصد ابن أبي عامر في هذه الزيادة المبالغة في الإتقان والوثاقة، دون الزخرفة، ولم يقصّر - مع هذا - عن سائر الزيادات جودة، ما عدا زيادة الحكم. وأوّل ما عمله ابن أبي عام تطييب نفوس أرباب الدور الذين اشتريت منهم للهدم لهذه الزيادة بإنصافهم من الثمن، وصنع في صحنه الجبّ العظيم قدره، الواسع فناؤه، وهو - أعني ابن أبي عامر - هو الذي رتّب إحراق الشمع بالجامع زيادة للزيت (10) ، فتطابق بذلك النوران، وكان عدد سواري الجامع الحاملة لسمائه واللاصقة بمبانيه وقبابه ومناره بين كبيرة وصغيرة ألف سارية وأربعمائة سارية وسبع عشرة سارية، وقيل: أكثر، وعدد ثريّات الجامع ما بين كبيرة وصغيرة مائتان وثمانون ثريا، وعدد الكؤوس سبعة آلاف كاس وأربعمائة كأس وخمسة وعشرون كأساً، وقيل: عشرة آلاف وثمانمائة وخمس كؤوس، وزنة مشاكي الرصاص للكؤوس المذكورة عشرة أرباع (11) أو نحوها، وزنة ما يحتاج إليه من الكتان للفتائل في كل شهر رمضان ثلاثة أرباع القنطار، وجميع ما يحتاج إليه الجامع من الزيت في السنة خمسمائة وربع أو نحوها، يصرف منه في رمضان خاصة نحو نصف العدد، وممّا كان يختصّ برمضان المعظّم ثلاثة قناطير من الشمع وثلاثة أرباع القنطار من الكتان المقطن لإقامة الشمع المذكور، والكبيرة من الشمع التي تؤخذ بجانب الإمام يكون وزنها من خمسين إلى ستين رطلاً، يحترق بعضها بطول الشهر، ويعم الحرق لجميعها ليلة الختمة، وكان عدد من يخدم الجامع المذكور بقرطبة في دولة ابن أبي عامر ويتصرف فيه من أئمة ومقرئين وأمناء ومؤذنين وسدنة وموقدين وغيرهم من المتصفين مائة وتسعة وخمسين شخصاً (12) ، ويرقد من البخور ليلة الختمة أربع أواقٍ من العنبر الأشهب وثماني أواقٍ من العود الرطب، انتهى.
__________
(1) ك: بناه.
(2) وعظم: زيادة في ك.
(3) ك: وقال بعض المؤرخين.
(4) قارن بما ورد في مخطوط الرباط: 30.
(5) ك: أريد أن أبتاعها.
(6) تسمى في مخطوط الرباط: " رمانات ".
(7) انظر مخطوط الرباط: 33؛ والروض المعطار: 155.
(8) النص في ابن عذاري 2: 428.
(9) ق: ودوزي: الخير والبر.
(10) ابن عذاري: للرسم.
(11) ابن عذاري: عشرة أرباع القنطار.
(12) مخطوط الرباط: ثلاثمائة رجل، وهو يوافق ما سيأتي من نقل عن ابن سعيد.

 

من نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها