أبو جعفر بن عطية المراكشي

  كنت قد تطرقت في حلقة ماضية لشخصية أديب بارع عاش خلال العصر الموحدي هو أبو المُطرِّف بن عَميرة ، ونتعرف من خلال شخصية هذه المقالة على مظهر آخر من مظاهر التفوق الأدبي الذي عرفه المغرب من خلال الكتابات النثرية والشعرية العميقة التي بقيت متناثرة في المصادر التي حُقّق ونشر بعضها ولازال الكثير منها ينتظر أن يزال عنه الغبار..  يتعلق الأمر بالكاتب والأديب الكبير أبو جعفر بن عطية المراكشي...   

قصر البديع

تَغلَّب أحمد المنصور في الثالث من شهر شعبان عام 986 للهجرة / الرابع من أكتوبر 1578 للميلاد، على البرتغاليين في معركة وادي المخازن (المسماة معركة القصر الكبير أو معركة الملوك الثلاث)، وبويع، عقب هذا النصر المبين، سلطاناً، وأطلق عليه لقب المنصور. قرر أحمد المنصور، بعد إحاطته بهالة وبشهرة دولية، أن يبني داخل قصبة مراكش قصرا فخما للاستقبالات.

مدرسة ابن يوسف

تعد هذه المدرسة من أكبر المدارس في بلاد المغارب، وتدين باسمها لقربها من المسجد المجاور لها، الذي شيده السلطان المرابطي الأمير علي ابن يوسف (حكم في الفترة 500 -537 هجري/ 1106 -1142 ميلادي).

 
 
مراكش
سيدي عبد العزيز التباع

 


 
د. جمال بامي
مدير وحدة العلم والعمران بالمغرب

      شخصية هذه الحلقة عالم صوفي جليل من رجال مراكش السبعة، وخليفة الإمام محمد بن سليمان الجزولي على الطريقة الجزولية، يتعلق الأمر بعبد العزيز بن عبد الحق التباع دفين حومة المواسين بمحروسة مراكش. كان في بداية أمره يحترف صناعة الحرير قبل أن يبدأ مشواره العلمي بمراكش. ورث عبد العزيز الحرار الطريقة الشاذلية عن أستاذه وعمدته الجزولي، فاتبعه خلق كثير من الناس حتى لقب بالتباع... ويقع ضريح سيدي عبد العزيز التباع بقلب مدينة مراكش بين المواسين وأمصفح قرب ثلث فحول، يفصله عما حوله قوسان كانت بهما إلى وقت قريب سلاسل تحول دون مرور العربات والدواب..
      قال الفقيه محمد المهدي الفاسي في كتابه "ممتع الأسماع في الجزولي والتباع وما لهما من الأتباع" (الطبعة 2، 1994) في سياق ترجمته لأصحاب وتلاميذ القطب محمد بن سليمان الجزولي (ص 35): "ومنهم وارث حاله الشيخ أبو محمد وأبو فارس عبد العزيز ابن عبد الحق الحرار، والحرار نسبة إلى صناعة الحرير، إذ كانت حرفته في أول أمره، كان عالما عاملا وشيخا كاملا بحر العرفان ومجمع المآثر الحسان، شيخ المشايخ وأستاذ الأكابر وجبل الفضل الشامخ، وجرثومة المفاخر، قطب وقته، ووارثه، وغوثه النفاع، وإمام أئمة الطريقة في عصره، من غير اختلاف ولا نزاع، قال أبو العباس المرابي (توفي سنة 1034هـ) في كتابه "تحفة الإخوان ومواهب الامتنان في مناقب سيدي رضوان": "كان رضي الله عنه في إمامته وجلالته بمكانة يعز على الوصف بلوغ مداها، ويعلو على ارتفاع الشأن وشهرة الصيت نداها، وقد تخرج عليه من أكابر المشايخ مالا يكاد يحصيه عد أو يحصره حد،  وبالجملة فقد أفعمت أقطار الغرب أنواره وملأت صدور رجاله معارفه وأسراره حتى كان يشتهر فيما لُقِّناه من بعض الصالحين من الأقطار المراكشية بسيدي عبد العزيز الشيخ الكامل، وكان يقال "النظرة فيه تغني". انتهى كلام المرابي نقلا عن محمد المهدي الفاسي..
      يقول الأستاذ حسن جلاب في كتابه: "سبعة رجال" (مطبعة فضالة، 2004) (ص: 39): "لعل شخصية أبي فارس عبد العزيز بن عبد الحق التباع الحرار أكثر غموضا من شخصية شيخه الجزولي؛ ذلك أن المعلومات القليلة المتكررة التي وصلتنا عنه لا توضح كثيرا من نقط الاستفهام المحيطة بحياته. نعرف أنه من مواليد مراكش، أواسط القرن التاسع الهجري ونجهل التاريخ بالضبط، كما أننا نجهل نسبه وهو أمر مهم باعتبار انتمائه لسبعة رجال، ودور النسب في اختيارهم.
      يضيف الأستاذ جلاب في كتابه (الصفحة نفسها) أن بعض المصادر تنص على أمّيته في أول أمره، ففي "المعزى" (يقصد المعزى في مناقب أبي يعزى لأحمد الصومعي) أن التباع لما فارق أبا عبد الله الصغير قصد زيارة الشيخ أبي يعزى وبات عند قبره متضرعا، فرأى في تلك الليلة كأن صدره شق وأدخل فيه القرآن، فكان كلما خاطبه إنسان أتى بنص قرآني.. ويرى الأستاذ جلاب أن الهدف من إيراد الخبر هو إبراز تأثير زيارة أبي يعزى في شخصية صاحبنا التباع وإلا فإنه عند مغادرته لمنزل الشيخ محمد الصغير السهلي كان قد تجاوز فترة التعلم وأخذ عن شيخه الأول الإمام الجزولي وشيخه الثاني الصغير السهلي، ونحن نعرف أن أوراد الجزولي هي القرآن ودلائل الخيرات، وأنه كان يربي مريديه بقصيدة أبي الحجاج الضرير في أصول الدين؛ ومنه نفهم أن الأستاذ جلاب لا يقبل فكرة كون عبد العزيز التباع كان أميّا عند زيارته لمقام العارف أبي يعزى، وهذا رفض ضمني "لرواية" إلقاء القرآن في صدره خلال هذه الزيارة...
       نعرف كذلك أن عبد العزيز التباع سافر إلى فاس ودرس بها ولقي من أهلها مظاهر الحفاوة والإجلال، وكان مقيما بمدرسة العطارين بعدما كان شيخه الجزولي -من قبل- يقيم بمدرسة الصفارين، وبقي بها إلى أن لقي الإمام أبي الحسن علي بن محمد صالح الأندلسي فعاد إلى بلده مراكش..
      صحب عبد العزيز التباع الإمام الجزولي وأخذ عنه وأقام عنده بزاويته بتافوغالت (الشياظمة) كما أخذ عنه حين قدومه إلى مراكش. وقد ركزت كتب التراجم على علاقة عبد العزيز التباع بشيخه الجزولي وشيخه الثاني محمد الصغير السهلي. كان لقاؤه الكبير بالإمام الجزولي عند زيارة هذا الأخير لمراكش، فاستضافه التباع وقاده إلى منزل والديه بالقصور بدرب بن حارب، وعلى الرغم من أن الجزولي توفي قبل أن يستكمل التباع دراسته عليه فإنه كان يتوسم فيه الخير والصلاح، فكان يقول عنه "النظرة فيه تغني" ووصفه بالكيمياء. وقد أوصى به الشيخ الصغير السهلي أكبر تلاميذه قائلا: "الله، الله في عبد العزيز" (حسن جلاب، ص: 40).
      التحق عبد العزيز التباع بشيخه الثاني سيدي محمد الصغير السهلي بعد مقتل الإمام الجزولي،-وأعتقد أن هذه هي إقامته الثانية بفاس- ولازمه بزاويته بخندق الزيتون بأحواز فاس مدة ثمان سنوات يخدمه ويأخذ عنه إلى أن أذن له بالعودة إلى بلده مراكش في قصة مشهورة.. إذ تروي كتب المناقب أنه كان يومُ عاصف بالمطر والرياح والحرّار يخدم شيخه كعادته ويرعى ماشيته، فنظرت إليه زوجة الشيخ الصغير السهلي السيدة تاتو على بعدٍ وهو حامل شيئا على عنقه وبيده، فقالت للشيخ الصغير السهلي انظر فيما هو فيه عبد العزيز لو كان بيدي شيء لأنلته إياه ومكنته منه، فلما وصل قال له الشيخ أدع لأمك تاتو فدعا لها، ثم قال له سر ينتفع بك الناس، فانطلق إلى موطنه الأصلي مراكش، وذاع صيته وأقبل الناس عليه لتلقي العلم والصلاح؛ والخبر بتفاصيله مذكور في "ممتع الأسماع" لمحمد المهدي الفاسي..
      ويذكر الأستاذ حسن جلاب في كتابه "سبعة رجال" (ص 41) :أن التباع قد تمخضت له الهداية والاقتداء من جهة الجزولي، والصحبة ولبس الخرقة من جهة محمد الصغير.. ثم لما عاد التباع إلى مراكش بنى زاويته بحي القبابين (النجارين)، ووهب له أحمد الأمين القسطلي الأرض التي بنى عليها الزاوية، وكان سيدي عبد الكريم الفلاح -دفين ضريح القاضي عياض- خديم التباع والموكل بطعام زاويته والساعي في حوائج داره.
      عاد الشيخ عبد العزيز الحرار إلي مدينة مراكش إذن ليأخذ مكانه بين أكابر العلماء، وانتفع به خلق كثير منهم الإمام عبد الله الغزواني أحد رجال مراكش السبعة وصاحب ديوان "النقطة الأزلية"، والمتصوف الكبير عبد الكريم الفلاح وسيدي رحال الكوش، والشيخ محمد بن عيسى دفين مكناس الذي توجه حسب وصية أستاذه الكبير سيدي أحمد الحارثي للشيخ الحرار، وكان لقاء عظيما؛ فقد دخل عليه في زاويته بمراكش وجلس الشيخ محمد بن عيسى حيث انتهى به المجلس إذ كان الشيخ التباع منشغلا بحلقة علم، فلما فرغ ابتدره الشيخ محمد بن عيسى بالسلام عليه، وما أن رآه الشيخ عبد العزيز التباع حتى توسم فيه الخير لما رأى عليه من أنوار وعلو همة فقام إجلالا له وتعظيما وعانقه قائلا: "أهلا وسهلا بالابن الصالح والخليفة الناصح، و"نظر إليه نظرة أهل المعرفة التي يدب بها سر النسبة في القلب ونور الوصلة والقرب"، حتى طأطأ الشيخ محمد بن عيسى رأسه إلى الأرض خجلا منه واستحياء؛ هكذا باختصار من مجموعة مصادر..
      ثم طلب محمد بن عيسى من الشيخ التباع الإذن في قراءة كتاب الإمام محمد بن سليمان الجزولي المسمى بـ "دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار" فأذن له في ذلك، وأوصاه أن يأخذ الإذن بذلك من كبير تلاميذ الشيخ الجزولي، وهو محمد الصغير السهلي..
      ثم إن الشيخ الحرار قال للشيخ محمد بن عيسى في إشارة عرفانية: "اسمع مني يا بني إن أخي الشيخ سيدي أحمد الحارثى قد صفى لك درهمك ولم يطبعه لك وغير المطبوع في السوق لا يجوز، فها أنا قد طبعته لك بإذن الله، فما أتم الأستاذ قوله حتى فتحت للشيخ محمد بن عيسى أبواب الخير والبركات وامتلأ مددا وهمة، ثم جدد التلقي عن الشيخ التباع، فلقنه الذكر وأعطاه مفاتيح الطريق من أحزاب وأوراد وأسرار ذوقية وتربوية. وكان الشيخ سيدي أبي مهدي الفجيجي تلميذ الشيخ محمد بن عيسى المكناسي يقول إن شيخه محمد بن عيسى اجتمع "روحيا" -في زيارته رفقة الشيخ التباع لقبر الإمام الجزولي- بالشيخ الجزولي و"أخذ عنه" طريق القوم؛ بعد ذلك أستأذن الشيخ محمد بن عيسى أستاذه التباع في الرجوع إلى مكناس، فإذن له وأمره بملاقاة كبير تلامذة الإمام الجزولي -محمد الصغير السهلي- والأخذ عنه. ومنه نعلم تشبع الشيخ محمد بن عيسى دفين مكناس، الذي إليه تنتسب الطريقة العيساوية، بالطريقة الجزولية عن طريق سيدي عبد العزيز التباع، وذلك بإيعاز من الشيخ سيدي أحمد الحارثي ضمن سلسلة صوفية أردت في هذه العجالة إبراز بعض معالمها بتوفيق من الله.
      كان عبد العزيز التباع يربي مريديه بأرجوزة "المباحث الأصلية" لابن البنا السرقسطي، وكان صلب  الأوراد في زاويته يعتمد على أوراد الشيخ الجزولي.
      يذكر الإمام القصار أن عبد العزيز التباع كان يلقن عبارة (لا إله إلا الله) وهو ذكر سيدي رضوان الجنوي أيضا كما في "إظهار الكمال في تتميم مناقب أولياء مراكش سبعة رجال" للعباس بن إبراهيم المراكشي (مخطوط الخزانة الحسنية رقم: 232) نقلا عن حسن جلاب..
      من أشهر تلاميذ عبد العزيز التباع الكبار نذكر الشيخ عبد الله الغزواني والشيخ عبد الكريم الفلاح وسعيد بن عبد المنعم وأبيه بن داود وتفاصيل ذلك في "ممتع الأسماع" لمحمد المهدي الفاسي..
      اشتهر الشيخ عبد العزيز التباع بقول شعر في التصوف، من ذلك قوله:
          زيـــــارة أهــل التقى مرهــم يبري          ومفتـــــاح أبواب الهدايـــــة والخيـر
          وتحدث فــي القلب الخلــــي إرادة          وتشرح صدرا ضـاق من سعة الوزر
      وقوله أيضا:    
          لله في الخلق مــا اختارت مشيئته          مــــا الخير إلا الــــذي يختـــاره الله
          إذا قضـــى الله فاستسلــم لقدرتــه          مــــا للمرء حيلـــة فيمـا قضى الله
          تجــري الأمـــور لأسبـــاب لهــا علل          تجـــري الأمــــور على مــا قدر الله
          إن الأمـــــور وإن ضـــاقت لهــــا فـرج          كــــم مــــن أمــــور شداد فرج الله
          يا صــــاحب الهـــم إن الهم منفــرج          أبشــــر بخيــر فـــــإن الفـــارج الله
          تــــالله مـــالك غيــــر الله من أحــــد          ولا يصيبــــك إلا مــــا قضـــــى الله
          اليــــأس يقطـــع أحيانــــا بصاحبــه          لا تيــــأس فــــإن الصــــانـــع اللــه
          الله لـــــي عــــدة فــي كــل نازلــة          أقــــول في كل شيء حسبي الله
      أما فيما يتعلق بالسلسلة الصوفية التي ينتمي إليها سيدي عبد العزيز التباع باعتباره صلة وصل بين قطبين قاما بدور كبير في ازدهار العلم والتصوف والجهاد بالمغرب وهما محمد بن سليمان الجزولي وعبد الله الغزواني مول القصور؛ فإن توزيع أضرحتهم في المجال المراكشي خضع لمنطق يتجلى في تتابع الزوايا الثلاث أفقيا بدأَ من ضريح الجزولي مرورا برياض العروس إلى المواسين حيث زاوية الإمام عبد العزيز التباع، ووصولا إلى حومة القصور حيث زاوية سيدي الغزواني مول القصور.. والمثير للانتباه أن هذا التتابع في المجال، مزار تِلْو الآخر، يتطابق مع تسلسل التلمذة، ذلك أن الجزولي هو أستاذ عبد العزيز التباع، وعبد العزيز التباع هو أستاذ عبد الله الغزواني... وكأن سلسلة انتقال العلم من الشيخ (الجزولي) إلي التلميذ (التباع) إلى تلميذ التلميذ (الغزواني) يصدقها مجاليا توزيع زواياهم، التي شكلت عنصرا رئيسا في عمران مراكش، ولست بحاجة إلى التأكيد على المكانة العلمية لهؤلاء الرواد في التاريخ الديني والفكري للمغرب، فهذه مسألة معلومة ولا مراء فيها..
       توفي عبد العزيز التباع في السادس من ربيع الثاني سنة 914هـ (1508م)، ودفن بثلث فحول من حومة المواسين بمراكش، وصار الحي يدعى حي سيدي عبد العزيز، كما أن زاويته انتقلت بعد وفاته إلى الضريح، وقبره إلي الآن مزارة كبرى ضمن مسلك زيارة سبعة رجال الشهيرة..
      وقد بنيت عليه قبة بإذن من السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي كما في "السعادة الأبدية" لابن الموقت المراكشي.. وقد تعرض ضريح عبد العزيز التباع سنة 1992 لمحاولة سرقة جامور القبة المذهب، والذي اختفى منذ ذلك التاريخ لتطرح العديد من الأسئلة حول الإهمال الذي أدى إلى هذا العبث بالذاكرة التاريخية لمدينة مراكش.. وهذا الخبر ينضاف إلى ما كنت ذكرته حول قبر بن عبد العظيم الأزموري بأزمور وضريح سيدي علي بوغالب بالقصر الكبير وغيرها من المآثر التي تعاني الإهمال الشديد، والأمر لله..
      رحم الله عبد العزيز التباع، الذي وإن كانت قد غابت عنا معظم أخباره؛ فإن تناول شخصيته ضمن سلسلة علمية صوفية كثيفة الأبعاد والمعاني فكرا وتأريخا جعلنا ندرك بعض معالم مدرسته الصوفية التي كان لها أكبر تأثير في انتشار الطريقة الشاذلية الجزولية في الغرب الإسلامي، وكم هي خطيرة وملغزة عبارة الإمام الجزولي بشأن التباع بأنه "كيمياء"، ويبقى باب التأويل مفتوحا. والله الموفق للخير والمعين عليه..



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها