أبو جعفر بن عطية المراكشي

  كنت قد تطرقت في حلقة ماضية لشخصية أديب بارع عاش خلال العصر الموحدي هو أبو المُطرِّف بن عَميرة ، ونتعرف من خلال شخصية هذه المقالة على مظهر آخر من مظاهر التفوق الأدبي الذي عرفه المغرب من خلال الكتابات النثرية والشعرية العميقة التي بقيت متناثرة في المصادر التي حُقّق ونشر بعضها ولازال الكثير منها ينتظر أن يزال عنه الغبار..  يتعلق الأمر بالكاتب والأديب الكبير أبو جعفر بن عطية المراكشي...   

قصر البديع

تَغلَّب أحمد المنصور في الثالث من شهر شعبان عام 986 للهجرة / الرابع من أكتوبر 1578 للميلاد، على البرتغاليين في معركة وادي المخازن (المسماة معركة القصر الكبير أو معركة الملوك الثلاث)، وبويع، عقب هذا النصر المبين، سلطاناً، وأطلق عليه لقب المنصور. قرر أحمد المنصور، بعد إحاطته بهالة وبشهرة دولية، أن يبني داخل قصبة مراكش قصرا فخما للاستقبالات.

مدرسة ابن يوسف

تعد هذه المدرسة من أكبر المدارس في بلاد المغارب، وتدين باسمها لقربها من المسجد المجاور لها، الذي شيده السلطان المرابطي الأمير علي ابن يوسف (حكم في الفترة 500 -537 هجري/ 1106 -1142 ميلادي).

 
 
مراكش
عبد الله الغزواني مول لقصور

 


 
د. جمال بامي
مدير وحدة العلم والعمران بالمغرب

      شخصية هذه الحلقة عالم صوفي مشارك من رجال مراكش السبعة، عاش آخر فترات الحكم الوطاسي وبدايات الحكم السعدي؛ يتعلق الأمر بعبد الله بن عُجال الغزواني دفين حومة القصور بمحروسة مراكش؛ وبكتابتي حول هذا العلَم الفذ أكون قد استكملت التعريف برجال مراكش السبعة ضمن سلسلة علماء وصلحاء..  
      وقد شكل حي القصور بمراكش، الذي ارتبط اسمه بسيدي الغزواني، في فترات من تاريخ المدينة سكنا للأعيان والعلماء ورجال المخزن، وهو حي قريب من النواة المرابطية التي أسست في موقع الكتبية الحالي حيث توجد بقايا زقاق الحجر...
      ولد أبو محمد عبد الله بن عُجَال الغزواني بمدينة القصر الكبير وبها تعلم المبادئ الأساسية في علوم الدين والأدب؛ أما سيدي عُجال والد صاحبنا الغزواني فنستفيد من كتاب "دوحة الناشر" لابن عسكر أنه "كان من عباد الله الصالحين، يجول في البلاد ليس له قرار ولا يلوي على شيء، وكان يدخل إلى الأسواق والمحافل وينشد ضالته ويقول: هي ناقة عليها غرارة مرَّت مرَّت، يا ويل من غرَّت، يعني بها الدنيا. ويقول ابن عسكر (ص: 91) أن والدته قالت له: كان سيدي عُجال يأتي إلى دار أبي وأنا صبية صغيرة (...) فإذا جئته أنا جعل يده على رأسي يقول يا فائدة أنت فائدة، وكان يقول قبل ظهور الشيخ ولده: عندي ابن تركته يقرأ العلم سيكون له شأن وله من الأتباع عدد ما في صابة الزبيب من حبوب، كبيرها حلو وصغيرها حلو". وكان رحمه الله موقرا ومعظما عند مولاي علي بن راشد أمير شفشاون، وكان يمسح على رؤوس أبنائه. توفي رحمه الله بقصر كتامة، ودفن خارج باب الوادي بإزاء ضريح السيد عبد الله المظلوم.
       رحل الغزواني إلى مدينة فاس لطلب العلم فسمع بالشيخ أبي الحسن سيدي صالح الأندلسي، في قصة مشهورة، فذهب إلى زاويته في جماعة من الطلبة؛ ثم رحل إلى مراكش ليقيم مدة عند شيخه عبد العزيز التباع حيث اشتغل عنده في الزاوية كمكلف بالبساتين..    
     من المصادر التي ترجمت للإمام الغزواني "ممتع الأسماع" و"تحفة أهل الصديقية" لمحمد المهدي الفاسي و"نزهة الحادي" للإفراني و"الاستقصا" للناصري، و "دوحة الناشر" لابن عسكر، و"سلوة الأنفاس" للكتاني..
      قال ابن عسكر في "دوحة الناشر" (ط 3، 2003 ص: 88: "ومنهم شيخ المشايخ  العارف بجلال الله وجماله، الداعي إلى حضرة الربوبية بجميع أقواله وأحواله، سيدي أبو محمد عبد الله بن عجال الغزواني. هذا الرجل آية كم آيات الله في ملكه، وبهجته عند الأولياء وواسطة سلكه، عجز اللسان عن العبارة التي توفي بحقه، وما هو إلا الإلمام بالإشارة إلى علو مجده. أصله من غزوان (...) قبيلة من العرب بالمغرب، ومن الناس من يجعله علويا. كان يتعلم العلم بفاس، فسمع بالشيخ أبي الحسن علي صالح الأندلسي، فذهب إليه ولازمه أياما، فرأى من بركته ما حرك بَلبَاله، وأنهض إلى حضرة القدس أحواله، فسأل منه أن يسلك به طريق التربية النبوية، فقال يا ولدي صاحب الوقت بمراكش فاذهب إليه، وأمره بالرحلة إلى الشيخ أبي فارس عبد العزيز التباع المعروف بالحرار نسبة إلى صناعة الحرير، فرحل إليه ولازمه، فأمره الشيخ برفع الحطب إلى الزاوية ورعاية الدواب، فبقي على ذلك مدة، ثم استعمله على حياطة بستانه وخدمته..".
      يرى هنري دوكاستري في كتابه les sept patrons de Marrakech  أن الغزواني أصله من غزوة، وهي قبيلة من غمارة، غير أن حسن جلاب في كتابه "سبعة رجال" (منتدى ابن تاشفين، 2004) يرى أن غزوان قبيلة من عرب تامسنا، وهو هنا يوافق ابن عسكر في "دوحته" الذي يعتبر غزوان قبيلة عربية. يقول الأستاذ محمد جنبوبي في كتابه "الأولياء في المغرب" (مطبعة دار القرويين، 2004: ص 155): "فيما يتعلق بمسار تحصيله العلمي، فدراسته الأولى كانت بفاس قبل أن ينتقل إلى الأندلس التي تتلمذ فيها على يد الشيخ علي بن صالح الذي كان متصديا للعلم بغرناطة، وحين غادرها تبعه عبد الله الغزواني إلى مدينة فاس التي لازمه بها، منقطعا فيها إلى مجلسه"...
      أما الناصري في "الاستقصا" فقال: "وكان في ابتداء أمره يقرأ العلم في مدرسة الوادي من عدوة الأندلس بفاس، فحصلت له إرادة فسافر إلى مراكش ولازم الشيخ التباع وتخرج به، ثم انتقل إلى بلاد الهبط فنزل بها إلى قبيلة يقال لها بنو فزكار"... وقد توافد على الإمام الغزواني العديد من المريدين سواء ببني فزكار أو بفاس أو بمراكش ومن أشهرهم بمراكش: أبو محمد عبد الله بن ساسي مؤسس زاوية شهيرة على ضفاف وادي تانسيفت بحوز مراكش دفن بها سنة 961هـ، وسيدي عبد الله بن حسين الأمغاري، المتوفى سنة 976هـ، مؤسس الزاوية الشهيرة بتامصلوحت في ناحية مراكش ضمن خطة للتعمير والتهيئة المجالية كان قد خط أسسها الشيخ عبد الله الغزواني، وكان يعتمد مثل شيخه على شق السواقي وحفر الآبار وفلاحة الأرض، وأبو النعيم رضوان الجِنوي درس على الغزواني بمراكش وبقي بعد وفاته بها زهاء السنة قبل أن يلتحق بزاوية شيخه في فاس، توفي سنة 991هـ...
      نستشف من كتاب ابن عسكر أن من تلاميذ الإمام عبد الله الغزواني: أبو الحجاج التليدي المتوفى سنة 950هـ وأبو البقاء عبد الوارث بن عبد الله،  وأبو الحسن علي بن عثمان والشيخ أبو محمد عبد الله الهبطي المتوفي سنة 963هـ، وأبو محمد عبد الله بن حسين الحسني دفين تامصلوحت المتوفى سنة976هـ، وسيدي رضوان الجنوي. من تلاميذه أيضا محمد بن علي بن عيسى الزمراني المعروف بالطالب المتوفى سنة 964هـ، وهو الذي سيعينه عبد الله الغزواني على رأس زاويته بفاس؛ وأبو الحسن علي المصمودي المتوفى بالقصر الكبير والذي يوجد قبره قرب ضريح سيدي علي بوغالب؛ وعبد الله بن ساسي صاحب الزاوية على ضفاف واد تانسيفت قرب مراكش، وبها دفن سنة 961هـ..
      ويذكر ابن عسكر في "دوحة الناشر" أن الشيخ الهبطي أخبره أن "الشيخ القطب أبو عبد الله محمد الجزولي كان يربي أصحابه بقصيدة الشيخ أبي الحجاج الضرير في أصول الدين، وكان الشيخ أبو فارس عبد العزيز التباع يربي أصحابه بالمباحث الأصلية للشيخ العارف ابن البنا السرقسطي، وكان سيدي أبو محمد الغزواني يربي أصحابه بقصيدة الشيخ الشريشي".
       يقول محمد جنبوبي في كتابه "الأولياء في المغرب" (ص: 156): "لم يمكث الغزواني طويلا بالمنطقة التي أسس بها زاويته الأولى بالهبط، إذ سرعان ما ستتسبب شهرته وما ترتب عنها من تردد الناس عليه بكثرة في مشاكل، ستدفع به إلى الرحيل والعودة إلى مراكش بعد تعريج على فاس التي أسس بها زاوية كذلك". وقد بسط ابن عسكر في "دوحة الناشر" القول في هذه المسألة، وخلاصة ما قاله  أن عبد الله الغزواني "توجه إلى قبيلة بالهبط بني فزكار، فأقبل الناس عليه من كل جهة وضجت الأرض بصيته (..) فبلغ ذلك السلطان أبا عبد الله محمد بن الشيخ المريني، أغراه به الفقيه ابن عبد الكريم البادسي السفياني الأصل، وكان هذا الفقيه يصحب الولاة والعمال ويخرج في بعوثهم قاضيا. فكثرت سعايته بالشيخ حتى وقر ذلك في نفس السلطان، فوجه السلطان إلى الشيخ لما خشي منه على ملكه، فلما وصل إليه أمر بالقبض عليه في الموضع المعروف بتحناوت، وجعله في سلسلة وبعثه إلى فاس، وأوصى به صاحب شرطته بقصبة فاس البالي.. كان ذلك سنة 919 هـ (1513م) أي في السنة التي توفي فيها الشيخ محمد ابن غازي، شيخ الجماعة بفاس وإمام القرويين، وكان بن غازي قد صحب السلطان الوطاسي المعروف بالبرتغالي في إحدى غزواته، فاعتل أثناء ذلك وسأل أن يحمل إلى فاس، فلما وصل إلى مقربة عقبة المساجين من حوز فاس اشتد به الحال، فأمر أصحابه أن يريحوا به هناك، فبينما هو كذلك إذ مر بهم الشيخ الغزواني في سلسلة مع الستائرية (الحرس)، فلما رآه سأل الستائرية أن يميلوا به إليه حتى يعوده... فدعا له وانصرف".
      ثم أمر السلطان بسراحه-بعدما أخبر صاحب شرطته بأشياء عجيبة- واعتذر إليه وطلب منه الدعاء  ورغب منه أن يكون سكناه بفاس، فأجابه إلى ذلك وبنى زاوية بداخل باب الفتوح، وهي التي دفن بها تلميذه أبو عبد الله محمد بن علي بن الطالب، وأقام هنالك مدة إلى أن رحل إلى مراكش وقال: ارتحل الأمر عن بني مرين برحيلي عنهم". وهذه إشارة "رمزية" لوصول السعديين إلى الحكم....
      يقول حسن جلاب في كتابه "سبعة رجال" (ص: 43): "ومع ذلك لم تتحسن علاقته بالمرينيين، فقد اصطدم بالناصر أخ السلطان المريني بسبب شقه لساقية من وادي اللبن إلى فاس لمساعدة الناس على السقي خلال سنة من سنوات القحط"... وكان ذلك سبب تركه فاسا وعودته ثانية إلى مراكش، حيث كان قد استقر الأمر للسعديين.
      يضيف محمد جنبوبي في كتابه: "مع استقراره بصفة نهائية بمدينة مراكش، وتأسيسه لزاويته بحي القصور، ستنطلق رحلة جديدة في حياة الغزواني، أساسها تلك الممارسة التي حرر بها من ثقاف الإرادة، وذلك الأمر الذي نال من أجله إجازة شيخه التباع، وهو المتعلق بالمجال الزراعي الذي برع فيه كمريد، وتوفق في تمريره وتلقين مبادئه وتقنياته وهو شيخ إلى مريديه وتلامذته، الذين نجد من بينهم وليا توفق جيدا في ذلك، واشتهر باستصلاحه للعديد من الأراضي، التي حولها من بقع جرداء إلى حقول غناء، وأسس بها زاوية هي اليوم من أشهر الزوايا في المغرب اسمها زاوية تامصلوحت، واسمه عبد الله بن حسين"...
      يتعلق الأمر بعبد الله بن حسين الأمغاري، سليل أسرة آل أمغار برباط تيط وجد الولي الشهير مولاي إبراهيم المعروف عند العامة بطير الجبال؛ ومنه نفهم الهاجس "التنموي" الذي كان يسكن صاحبنا الغزواني، ولقد أشار إلى هذه المسألة أيضا العلامة بول باسكون في كتابه القيمle Haouz de Marrakech، واستفاض في الحديث عن دور زاوية تامصلوحت لصاحبها عبد الله بن حسين؛ وهي نتاج طبيعي لمدرسة عبد الله الغزواني في محاربة القفر والخلاء وجلب النماء.. وقد قال ابن عسكر في "دوحة الناشر": "وحدثني الشيخ أبو عبد الله الدقاق، وكان مختصا به، قال لي: كان الشيخ رضي الله عنه دأبه الحركة في أسباب الحراثة واستخراج المياه.."..  
      وقد استدل محمد جنبوبي في كتابه "الأولياء في المغرب" بنصين ثمينين؛ الأول لإبراهيم حركات في كتابه "المغرب عبد التاريخ" يقول فيه: "وقد استقر الشيخ الغزواني أخيرا بمراكش يشتغل بالحراثة والبساتين، وينفق دخله على ذوي الحاجات ويكتفي بأبسط الطعام. وكان مولعا بحفر السواقي ويكلف أصحابه بالفلاحة واستخراج الماء. طريقته لا تختلف عن طريقة أستاذه"؛ النص الثاني لمحمد المازوني في "زاوية تامصلوحت خلال القرن السادس عشر" يقول: أن "دور الغزواني الاقتصادي بناحية مراكش كان الأهم. لقد كان رجلا محبا للحراثة ولاستخراج الماء. وتأكدت شهرته بفاس، وقد شكل مجهوده الفلاحي بالحوز في نظر الكثير عملا سياسيا أكثر منه مجهودا تقنيا مجردا؛ لأن رأيه على الحرث والسقي لم تكن تفسره الدواعي الصوفية بقدر ما تبرزه أزمة البادية المغربية وما خلفته هذه الأزمة من نتائج سلبية على الوضع البشري.. وسيلزم مريديه بهذه الأعمال كشرط أساسي في تربيتهم الصوفية ولن يختار لهم غير المواقع المتضررة كمواضع لتأسيس زواياهم".
      وقد تجلت الأدوار الاجتماعية لسيدي الغزواني في إطعام الطلبة والمريدين وعامة الناس خصوصا خلال المجاعات والأوبئة، بالإضافة إلى حفره السواقي والآبار كما مر معنا؛ وقد كان يقول لأتباعه: "من حفر ساقية صنع للناس طعاما". إنني أرى هنا-دون مبالغة- حسا كبيرا بضرورة توفير الأمن الغذائي، والترفيه عن الناس، وإغاثة اللهفان عبر استصلاح الأراضي وشق السواقي والتفنن في "علم الفلاحة" والمرور من "الكلام" إلى "الأشياء" عبر التجارب الميدانية وإحداث البساتين والمشاتل، وإدماج كل هذا ضمن التربية الصوفية والالتزام المبدئي؛ والحق يقال إننا في أمس الحاجة اليوم إلى مثل هذه الروح، ونحن نرفع اليوم شعار "المغرب الأخضر"، ذلك أن هذا المقصد النبيل يحتاج إلى علم وهمة عالية مثل التي توفرت في التباع والغزواني وبن حسين... ومنه نستفيد أيضا أن هؤلاء الأئمة الذين استبطنوا خطورة الآية الكريمة "وبئر معطلة وقصر مشيد"، فانبروا للبناء والتشييد ومحاربة الخلاء وجلب الخضرة والماء والنماء، وأدركوا أن الضرورات الوجودية التي تربط الإنسان بأصله الطيني الكوني هي أساس التنمية والحضارة، وليس تشييد القصور في الوقت الذي تجف فيه الآبار وتنتشر البداوة وتتقلص الحضارة حتى لو طغت مظاهر "التمدين"، ولا أعتقد أن موقفي هذا من "المدرسة الجزولية" بمراكش وأحوازها مغرق في التأويل، لاسيما وأني أتحدث من موقف الدارس لدور النبات والخضرة  وتدبير المجال في تحقيق النماء..
      أما فيما يخص الإنتاج الفكري النظري لصاحبنا الغزواني، فيقول بولس نويا اليسوعي في كتابه "عبد الله الغزواني مول لقصور) (مطبعة فضالة، 2005، ص: 7): "وأهمية هذا الصوفي أنه قد ترك لنا مجموعة من المؤلفات، نظما ونثرا، نستطيع أن نتبين من خلالها مستوى معرفة هؤلاء الصوفية بالعلوم الكشفية، وعمق أفكارهم، ومثانة ثقافتهم الدينية، وقوة شخصيتهم الروحية، وهو أمر يسوغ حشد الأوصاف الطنانة التي يوصفون بها في كتب التراجم.. فإني كثيرا ما أتساءل: أكانت هذه الأوصاف من البلاغة المصطنعة الفارغة من كل مدلول واقعي أم أنها ذات أساس من الواقع، تحمل الكثير من المدلولات الحقيقية؟ من هو يا ترى هذا الشيخ الغزواني الذي يذكره الكتاني (في السلوة) بالأوصاف الآتية التي لا يستحقها إلا القلة من أكابر العلماء الصوفية: "الشيخ، الإمام، العلامة الهمام، الصوفي المحقق، الكامل المدقق، بركة العصر، وإمام الدهر، شيخ المشايخ، العارف بجلال الله وجماله، الداعي إلى حضرة الربوبية بجميع أقواله وأحواله، ذو المقامات السنِّية، والأحوال المُرضية، والهمم العلية، والإشارات الخفية، والمواهب الربانية، والأسرار العرفانية، سيد أهل زمانه، وفريد عصره وأوانه، القطب الغوث الجامع، الوارث الرباني"..
      يضيف بولس نويا اليسوعي في كتابه "الشيخ عبد الله الغزواني": "كنا نعتقد من قبل أن الفكر الصوفي العالي كان قد هاجر من الأندلس والمغرب مع ابن عربي وابن سبعين والشُشتري والحِرالي وغيرهم، وأن المغرب بعد عودته إلى المذهب المالكي في عهد بني مرين كان قد عاد إلى التصوف الكلاسيكي (كما هو الحال عند المحاسبي) أو إلى التصوف الشعبي كما هو الحال عند الجزولي في كتابه "دلائل الخيرات"، وإذا بالغزواني يتكلم لغة مختلفة، هي فلسفية باطنية من جهة، وهي متأصلة في الذهنية المغربية العريقة من جهة أخرى، حتى أنه لا يخشى أن يخلط في مكاتباته بين ألغاز المصطلحات الصوفية الفصيحة واللغة العامية المغربية، وهذا مما يعطي لكتابته طابعا خاصا وروعة هي روعة الأشياء عندما نراها لأول مرة في فجر النهار..".
      يضيف بولس نويا (ص: 18-19): "أن لسان مقال الغزواني لم يكن أقل سطوة من لسان حاله؛ فهذا "الفلاح" الذي كان دأبه الوحيد الحركة في أسباب الحراثة واستخراج المياه لم يكن من الصوفية الذين أخذوا بما يسميه المستشرقون بالمارابوتيسم maraboutisme (الطُّرُقِية)، فهذا يتميز بفقر الحياة الروحية والإسراف في الأهمية المعطاة للكرامات والخرافات. وإن مؤلفات الغزواني لتشهد له بعمق الأفكار وعلوها، وتبرهن على تبحره في العلوم الصوفية، ومقدرته على التعبير عنها بلغة ومصطلحات لا تخلو من غموض. ولابد أن هذا الغموض كان مميزا لفكر الغزواني لأن المؤرخين أفردوه بالذكر، قال الكتاني في "السلوة": "له كلام في الطريق نظما ونثرا، إلا أنه غامض لا يفهمه إلا من فُتح عليه"..
      ولتقريب القارئ الكريم من المعاني المبثوثة في كتابات الإمام الغزواني، أنقل بعض فقرات مما أتبثه العلامة بولس نويا اليسوعي في كتابه عن عبد الله الغزواني: "يقول الإمام الغزواني في مخطوطة سماها بولس نويا "السيرة الذاتية" وهي جزء من المجموع الكبير –شعرا ونثرا- المسمى "كتاب النقطة الأزلية": "واستمعت لحكم كلامهم وحقيقة علومهم، ونظرت في حقيقتي: لم نر في جوابا، وعجزت عن طريقة الصواب، فقلت في نفسي: أنا من المحجوبين ومن البطالين ومن المسوفين ومن المطرودين ومن المختالين ومن الجاحدين ومن الكذابين ومن المحرومين: ومن المزيفين من غير حقيقة، ومن الناطقين من غير بينة، ومن الواعدين من غير توفيق، ومن النائمين من غير تصديق، ومن الجالسين من غير تحقيق.. فقلت هيهات هيهات، قَرِّب البعدَ يا من يقول لشيء "كن فيكون". فحققت النظر فيهم فرأيت سِمتهم ليست كسِمة الواقفين على المنابر المخروبين، وليس كمثل الجالسين على الكراسي المشقوقين، وليس كاجتماع الباغضين والجاحدين، وليس كاجتماع المنكرين والملتفتين وليس كمثل الموجهين للقبلة من غير وثيقة وليس كمثل المستعملين سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من غير حقيقة، وليس كاجتماع الناطقين من غير بصيرة ولا حقيقة بيان البينة، وليس كاجتماع الناطقين بالمقال ولم يعرفوا حقيقة الأحوال (..) فلما فقت وتيقنت وحققت، فرأيت فيهم سمة تأثير النبوة، وأقاموا بتحقيق حقيقة السنة، ومجتمعين على أحسن غاية الملة، فألهمني الله إلى آية من كتابه وهي قوله: "فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه" [المائدة، 56]، فصرت في حبهم فانيا.. إلى أن قال: "فقال لي السيد العارف المشرف: ارم السلاح وخذ اسما من اسم سيدي كي تصيب الراحة. فألقى إلي اسم "رضي الله عنه لا يفتقر" و"قوي لا يتمزق" و"عزيز لا ينقطع" و"موصوف بالجلال" و"موصوف بالإكرام" و"مسبحا ومسرمدا"..".
       يقول بولس نويا اليسوعي (ص: 17-18): "وإذا كان الغزواني قد عاد إلى مراكش سنة 926هـ/ 1519م، فقد دامت إقامته وعمله فيها تسع سنين؛ لأنه توفي سنة (935هـ)  1528-1529، والظاهر أن سبب وفاته كان سكتة قلبية على ما ذكره المؤرخون: وكان من موته على ما في "تحفة أهل الصديقية" لمحمد المهدي الفاسي أنه "خرج يوما على عادته إلى البادية في صلح، وخرج معه أصحابه، فغابوا ما شاء الله ثم رجعوا. فلما كان قريبا من البلد وهو راكب على فرسه سائر على الطريق، إذ رأوه قد مال عن فرسه، فأسرعوا إليه، فإذا هو ميت. فحملوه إلى المدينة ودفنوه بزاويته بحومة القصور داخل مراكش، وبنوا عليه قبة حافلة، وهي مزارة عظيمة مشهورة"..
      رحم الله هذا العالم الفاضل المهموم بالمجتمع ورفاهيته وازدهاره، وجازاه عن المغرب خيرا، والمغرب في أمس الحاجة إلى درس كدرس الغزواني،  والله الموفق للخير والمعين عليه..



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها