محمد بن غازي المكناسي

محمد بن غازي المكناسي

كتب الأستاذ المرحوم محمد حجي في مقدمة فهرس الإمام محمد بن غازي المسمى "التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد": "محمد ابن غازي المكناسي أبرز شخصية علمية بالمغرب في أواخر القرن الهجري التاسع وأوائل العاشر، لِما كان له من اتساع في الرواية، ووفرة في عدد التلاميذ بمختلف جهات المغرب، وانتشار مؤلفاته في أنحاء العالم الإسلامي غربا وشرقا... 

ابن الياسمين الفاسي

ابن الياسمين الفاسي

استكمالا لإبراز بعض مظاهر الحياة العلمية خلال العصر الموحدي نتعرف في هذه الحلقة على عالم رياضيات آخر هو العلامة ابن الياسمين...

الديــن والعلــم ...وفــاق لا خــلاف

      ما يزال الجدل قائما حول علاقة الدين بالعلم، ولا يزال هناك من يثير نقع الخصومة واللدد بينهما مزهوا بمكاسب العلم وثورته المعرفية، زاهدا في الدين ولمسته الإيمانية ، ناظرا إلى التطورات العلمية الحديثة بمثابة الانفجار المعرفي  knoweldge explosion  الذي تفجر كالمارد في وجه سائر الأساطير الإنسانية عن الآلهة والدين كما تفجرت الأفكار القديمة عن المادة ونسفت بمجرد تفجير الذرة كما قال جوليان هكسلي. في الولايات المتحدة مثلا يحتدم  الصراع حول تعليم نظرية الخلق،إذ ثمة علماء لا يؤمنون إلا بسجلات الحفريات وبراهين الحمض النووي( DNA) سبيلا لفهم نشأة الأرض وتحولاتها، بينما  يتشبت آخرون بكون الحقيقة قد تكشفت جلية في متون بعينها ولا مناص من التسليم بها.

 
 
العلوم التطبيقية
العلوم التطبيقية في جامعة القرويين

 

العلوم التطبيقية في جامعة القرويين
                                                    الدكتور عبد الله بنصر العلوي
                                                                         فاس
نطمح في أن يكون هذا الموضوع (جامعة القرويين في أفق القرن الحادي والعشرين) مشروع بحث يرمي إلى تحقيق الأهداف الآتية، وهي:
 1 – إسهام جامعة القرويين في العلوم التطبيقية ونعني بها ما يتعلق بالطب والفلك والرياضيات والهندسة...
2 -  إغناء تاريخ جامعة القرويين بكون علومها لم تكن تنحصر في الفقهيات فحسب، ولكنها كانت تتجاوزها إلى العلوم البحث سعياً إلى المعرفة الكلية الشاملة.
 3 - تطوير منهجية البحث لما أنجزه ثلة من العلماء والدارسين ونخص منهم بالذكر الأساتذة عبد الهادي التازي وعبد العزيز بنعبد الله ومحمد المنوني، بالإضافة إلى الدكتورين: رينو ولوكلير... وغيرهم ممن درسوا العطاء العلمي لجامعة القرويين.
  4 - لَمّ شتات الإشارات المتفرق في كتب الباحثين عرباً ومستشرقين وأجانب التي تخص القرويين في مدى إسهامها في مناهج التفكير في مجالات الرياضيات والطب.
 5 - الاطلاع على معارف علماء القرويين وتطلعاتهم إلى الدرس العلمي الصرف.
 6 - الحرص على المنهجية العلمية للثقافة الإسلامية التي تنطلق من روح الرياضيات أساس العلوم نظرية كانت أم تجريبية.
 7 - إشعاع علوم القرويين في العالمين الإسلامي والأوربي المسيحي.
 8 - البحث والتنقيب عن مجالات الإنجاز والتطبيق فيما يتعلق أساساً بالتجارب العلمية التي تمت في أحضان جامعة القرويين.
 9 - جمع ونشر المؤلفات المخطوطة التي كتبها علماء القرويين في العلوم التطبيقية.
إذا كان ماضي التراث العلمي العربي قد غمره بخبرته وتجربته فإن الحاضر يسعى إلى حفظه وتطويره حتى لا يندثر، مما يجب - كما يقول أحد الباحثين - «درسه والإخلاص في تقييمه لأنه صورة من الماضي وذخر الأجداد وبعض ما خلفوه للأجيال، وهو ما بقي لنا لنحكم به ونستنتج منه ونبني عليه. ومنه نستجلي فكرة واضحة تكشف عن غنى حضارة سلفت وقدر أهلها العلم والعلماء... ومما لا شك فيه أن التقييم والبحوث الجدية والإيجابية في هذا التراث لابد وأن تدر علينا ربحاً علمياً روحياً كبيراً أو تعطينا حصاداً وفيراً، فعلينا ألا نضيع الوقت وألا نهمل الواجب، بل نهبّ لإحياء تراث عريق لحضارة أذهلت عقول المنصفين وحيرت بروعتها أفكار المتقدمين»([1]).
لقد وجد هذا التراث العلمي الإسلامي في جامعة القرويين منذ إنشائها مجالات خصبة بما لها من حضور وفعالية؛ باعتبار طبيعة شخصية علمائها وقدرتهم على المشاركة العلمية؛ إذ المعرفة الشاملة للعلوم الإلهية والطبيعية والرياضية تشكل جوهر العلوم الإسلامية. وفي ذلك كان العطاء المميز للعالم الإسلامي الذي جمع بين كل مجالات المعرفة. وقد حفل التاريخ الإسلامي بعلماء أفذاذ كانوا مثالاً وقدوة لتمثل إسلامية المعرفة... ألم يكن الرازي والفارابي وابن سينا وابن طفيل وابن رشد وغيرهم كثير، نموذجاً لهذه المشاركة التي تصل إلى حد الحذق والمهارة في جل العلوم.. بل والتأليف في كثير من مجالاتها.
ومثل هذا الحضور المعرفي كان سلوكاً عاماً وفعالاً في جامع القرويين. ولئن غلب التأليف في الإلهيات بما لها من فروع: سيرة وفقه وتفسير وبلاغة ونحو... فإن للعلوم الطبيعية والرياضية حضوراً على جانب من الأهمية ما دام العلم والدين يشكلان خشبة النجاة، فلابد - حسب تعبير أحدهم - من أن "يتعلم" الدين وأن "يتدين" العلم([2]).
وجدير بالذكر أن مفهوم الدين يعني التشبث بالعقيدة ديناً ومعاملة، وكذا إلى تدبير أمور الإنسان روحاً وجسداً.
وعندما نتأمل ما درس في جامعة القرويين من علوم نجد الكثير منها يتعلق بمجالات المعرفة والفكر والفنون. فبالإضافة إلى التفسير والحديث والفقه والسيرة والنحو والبلاغة واللغة والتصوف والطب والصيدلة نجد على نحو ما يذكره شاهد عيان وهو الإمام المجاهد ابن السنوسي (ت. 1276 ﻫ) الذي ورد على جامعة القرويين لأخذ العلم عن رجالها على عهد السلطان المولى سليمان([3]). فعدد من علومها: علم الفرائض والحساب والأسطرلابين وصناعتها والرياضيات والهندسة والهيئة والطبيعة والأرثماطيقي وأصول قواعد الموسيقى والمساحة والتعديل والتقويم وعلم الأحكام والينس والوقف والقواعد الجفرية وأصول الزيرجية والبسط والتكسير والجير والمقابلة، وغيرها([4]).
وتبدو أهمية هذه الإشارة إلى تلك الأصناف المعرفية بكل تداخلها وتكاملها في كونها تجاذبت التأثر والتأثير لدى العالم المشارك المنتمي لجامعة القرويين. ومن ثَمّ كان التكوين العلمي ضرورة ملحة وجد فيها بعض العلماء بعد مرحلة الطلب العام نوعاً من التخصص برعوا في مجاله ودرسوا علومه.. بل ألفوا فيه. وتطول لائحة علماء القرويين لو أردنا تعداد أسمائهم، وسنشير إلى بعضهم لاحقاً ممن لهم الصدارة في بعض العلوم التي سنقف عندها.
غير أن الباحث في واقع هذه العلوم الطبيعية والرياضية في جامعة القرويين يواجه عدة إشكاليات:
 1 - إن الإشارات إلى هذه العلوم - باعتبارها علوماً تطبيقية - متفرقة في عدة مصادر في كتب التراجم خاصة، مما يحتاج إلى تكشيفها لجمع المادة وتمحيصها.
 2 - إن غياب الإشارات إلى العلوم التطبيقية في فهارس علماء القرويين([5]) مما لو توفر لأعطى صوراً شاهدة على حضور هذه العلوم في كيفية أدائها ووسائل تقديمها وأصناف مصادرها وأسماء شيوخها وطرق أسانيدها.
 3 - قلة الإجازات العلمية ([6]) التي من شأنها أن تبسط العلم وقيمته وأن تعرف بصاحب الإجاة وبإذن شيوخه في مزاولة العلم، وكذا بالتزامه بالشروط الخلقية والعلمية في تدريسه وممارسته لتخصصه.
 4 - مدى قيام العلماء بممارسة تطبيقية لبعض هذه العلوم والتساؤل عن وسائل الإيضاح في تدريس بعضها.
5 - وجود عدة مدارس في مدينة فاس يفرض التساؤل عن علاقاتها بجامعة القرويين من حيث تخصصها في مادة معينة وفي مدى استقلالها عنها أو تبعيتها لها.
 6 - لم تكن جامعة القرويين تكتفي في مناهجها بما هو نظري في العلوم التطبيقية، وأن ما هو تطبيقي كان يتم خارجها في مراكز أخرى كالمدارس أو المارستانات وغيرها، رغم إشراف أوقاف القرويين عليها، مما يجعل الأمر هنا يحتاج إلى تتبع واقع العلوم في سياقها النظري والتطبيقي.. في إطار منهجها وإنجازها وتقييمها.
7 -  إذا كانت جامعة القرويين قد أثمر فيها الفقه وتميز بخصوصية نلمس معالمها في العمل الفاسي([7])، فهل لمجالات العلوم التطبيقية ومنها علوم الفلك والرياضيات والطب خاصة من تميز في عطائها؟ !
 8 - التوجه المعرفي الذي يمارسه العالم بمحض إرادته ويسعى إلى التثقيف فيه في إطار اهتماماته الخاصة... ما يجعل الباحث يتساءل عن هذه المعرفة في تلقيها داخل جامعة القرويين أو في متابعتها خارجها.
 هذه جملة من الإشكاليات التي يواجهها هذا البحث، وهي مما يعترض الباحثين أيضاً، ونأمل أن تسهم خلية بحث مقترحة في إيجاد إجابات ودراسات تعمق الموضوع وتنقب عن الدفين.
ومن الصعب علينا أن نقارب كل مجالات هذه العلوم التطبيقية لأمر أساسي يتمثل في أن طاقة استيعاب هذه العلوم وتاريخها تفرض المتخصص أو المهتم في أحد المجالات. ولا يتم ذلك إلا بشرط إلمامه بالتراث العلمي العربي والإسلامي عامة والمغربي خاصة، غير أنا قد نلمس لأنفسنا العذر في مقاربة الموضوع من وجهة تاريخية، نظراً لاهتمامنا بجوانب المعرفة والإبداع النيرة في تراثنا المغربي، إذ أن الاطلاع على تراث أجدادنا من علماء القرويين حافل بالمعطيات الفعالة التي تكسب الشخصية العالمة مكوناتها الأساسية.
وحسبنا في هذه المقاربة أن نرمي إلى:
 1 - التذكير بجملة وافرة من أعلام العلماء الذين اشتغلوا بالعلوم التطبيقية والذين كونتهم جامعة القرويين.
 2 - التعرف إلى عدد من المصادر العلمية التي دُرِّست في جامعة القرويين.
 3 - إسهام علماء القرويين في التأليف العلمي وما حققوه من خصوبة المعرفة ومن معطيات في البحث.
 4 - تحديد بعض المعالم النيرة والهامة في إنجاز جامعة القرويين في مجالي الرياضيات والطب.
فالرياضيات تعد بمختلف فروعها نهجاً تعليمياً يكسب طالب العلم المبادئ الأساسية لتلقي المعرفة؛ إذ بمنطقها ونتائجها علمت أسس التفكير السليم ودقة التأمل والاستنتاج. ونشير في هذا الصدد إلى بعض أعلام العلماء الذين نفقت سوقهم في فروع الرياضيات منهم: ابن الياسمين وابن الحباك والصديني والجادري وابن البناء العددي وابن الحاج المهندس والقلصادي وأبو القاسم الفشتالي وعبد الوهاب الفاسي وابن سليمان الروداني([8]).
ومن آثار هذه الحركة العلمية في فروع الرياضيات المعالم الآتية:
 1 - لقد حظي حساب الفرائض والتوقيت باهتمام بالغ في جامعة القرويين مما يعكس وحدة العلوم العقلية من رياضية وتجريبية ولسانية([9]) لما فيها من خدمة الفكر الديني([10]).
 2 - شيوع الأرقام الغبارية التي أقرها علماء القرويين علامات للأعداد في أوربا والتي نقله إليها في القرن العاشر الميلادي البابا سلفستر الثاني الذي يدرس بطليطلة وفاس وأطلق عليها الأرقام العربية؛ باعتبار رقم الغبار - كما يقول ابن الياسمين -: «... من أقصر أنواع الحساب وأفيدها وأوضحها بجودة بيانه وبلوج برهانه»([11]). ودون شك أن نهضة أوربا العلمية قامت على أساس أرقام الغبار المغربية إذ لم تكن للإغريق طريقة منظمة لكتابة الأعداد كما لم تكن للرومان عمليات دقيقة في الحساب([12]).
 3 - إشعاع المعرفة الرياضية التي عرفتها جامعة القرويين في الأقطار العربية الأخرى، من ذلك تدريس بعض المؤلفات المغربية في تونس حيث نجد من بين مقروءات الرصاع كتاب "تلخيص أعمال الحساب" لابن البنا، وفي مصر حيث نجد من محفوظات أبي بكر الأنصاري "منية الحساب" لابن غازي([13]). كما نشير في هذا الصدد إلى أن ابن قنفذ القسنطيني الذي تكون في الرياضيات بجامعة القرويين كان محور إنتاجه الرياضي يدور حول المؤلفات المغربية لابن الياسمين وابن البنا شرحاً وتعقيباً([14]). ولعل في تتبع هذا الإشعاع ما يعكس القيمة العلمية التي حظيت بها الكتب التعليمية التي عرفتها جامعة القرويين.
4 -  اهتمام المستشرقين ببعض المؤلفات الرياضية على نحو ما اهتم به المستشرق الفرنسي (أريستيدمار) الذي نشر في روما "تلخيص أعمال الحساب" لابن البنا نصاً عربياً وترجمة فرنسية سنة 1885 م([15]).
5 -  دراسة المصادر الكبرى في تاريخ الرياضيات، ومن بينها "كتاب الأصول" لأقليدس و"كتاب المجسطي" لبطليموس، وقد نال الأول اهتماماً كبيراً لدى علماء القرويين إلى وقت  قريب([16])، وفي طبعه بالمطبعة الحجرية عام 1293 ﻫ بإشراف الشيخ الطالع البلغيثي([17]) عمل عملي جدير بالاهتمام يدل على تواصل معرفي بالشرح والتحليل والتقويم والتعقيب لأقدم المؤلفات الرياضية، وممن أقرأه بجامعة القرويين العلواني([18]) ومحمد بن القاضي([19]).
ومثل هذا الاهتمام كان نادراً في عصر النهضة بأوربا([20]).
أما الكتاب الثاني فإن وجوده بشرح الفارابي في جامعة القرويين يعد أثراً علمياً هاماً بما أولى له من عناية في البحث والتمحيص وفي الشرح والتعليق لدى علماء الفلك بهذه الجامعة([21]) وممن أقرأه بها ابن سليمان الروداني([22]).
 6 - ومن العلماء النوابغ الذين عرفتهم جامعة القرويين ابن البناء الذي يحتل مكانة مرموقة في الرياضيات، فبفضل تآليفه الغزيرة وآثاره الجلي في الدرس الرياضي([23]) كان له صيت ذائع في العالم إذ شاعت مؤلفاته وتنوقلت علومه. وهذا ما يجعل شهرة ابن البناء مدينة إلى المضمون العلمي لعلوم العدد التطبيقية التي ضمنها كتابه "تلخيص أعمال الحساب"([24]).
 7 - وبفضل ازدهار العلوم الرياضية بجامعة القرويين كانت جملة من الاختراعات قد استثمرت هذا الازدهار:
فابن الحباك أنشأ الساعة المائية الأولى بمنار جامع القرويين.
وابن الحاج استعين به لصنع ناعورتين مائيتين.
والصديني رسم خطوط الساعة المائية.
وابن العربي جدد المنجانة بالغريفة وزودها بساعات رملية.
واللجائي اخترع أسطرلاباً ملصوقاً بجدار والماء يدير شبكته على الصحيفة.
والروداني اخترع كرة مستديرة سطر عليها دوائر ورسوماً وقد ركبت عليها أخرى مجوفة منقسمة إلى نصفين فيها تخاريم وتجاويف.
وابن شهبون صنف كتاباً في الجغرافيا اشتمل على عدة صور وخرائط وبه صورة للأرض وأخرى للقمر.
وعبد السلام العلمي اخترع الآلة ذات الشعاع والظل([25]).
أما الطب فقد حظي بقسط وافر من اهتمام جامعة القرويين بالعلوم التطبيقية باعتبار أن للطب نوعاً من القداسة جعلت منه طرفاً من العلوم الإسلامية([26]). وقد لقي الطب انتشاراً واسعاً في أرجاء العالم الإسلامي وكثرت فيه المدارس والمؤلفات وشاعت فيه التجارب والخبرات حتى أضحت المعرفة الطبية لدى سائر العلماء ضرورية ما دام "علم الأبدان مقدم على علم الأديان".
وإسهام جامعة القرويين في الطب إسهام وفير أتاح للثقافة المغربية ممارسات عملية وعلمية ضمنت حضوراً مزدهراً منذ وقت مبكر بدءً من القرن العاشر الميلادي/ الرابع الهجري. وقد لاحظ (لوكلير) في هذا الصدد أن المغرب ولعله يقصد الغرب الإسلامي أشد بلاد الإسلام عمقاً من الناحية العلمية([27]).
ومما هو جدير بالذكر أننا نجد بعض المراجع الهامة([28]) في الموضوع تردد وجود مدرسة طبية بفاس في الفترة المشار إليها، مما يلزم الباحث توخي التنقيب والدرس، فما هي معالم هذه المدرسة؟ وما مدى اعتمادها على تطبيق معرفتها سواء داخل القرويين أو خارجها في المدارس التابعة لها أو لأوقافها؟.
ولما كانت المعرفة الطبية شائعة لدى جل علماء القرويين فإنه يمكننا الإشارة إلى بعضهم ممن اهتموا بالطب تدريساً وشرحاً وترجمة وتأليفاً: كعبد الرحمن سقين([29]) وأبي الحسن بن الهيدور والحسن المسفيوي وأبي القاسم الغساني وعبد السلام العلمي وأبي القاسم الفشتالي وعبد القادر بن شقرون وعبد الوهاب ادراق وغيرهم([30]).
ويمكن تسجيل بعض المعالم في الموضوع:
1 -  إن الطب كان يدرس فعلاً في جامعة القرويين ولم يكن مجرد اهتمام معرفي من لدن علمائها بواسطة جملة من المصادر اليونانية والعربية والمغربية، وهو تدريس كان يعتمد على الجانب النظري في الغالب، وكان يترك للطالب نفسه التردد على العشابين ومصاحبة الأطباء، مع العلم أن الكتب الطبية المدروسة كانت تشخص العلل وتصف الأمراض وتدل على وسائل العلاج.
 2 - وقد تعددت مصادر المعرفة الطبية في أصولها في جامعة القرويين فكانت كتب أبقراط وجالنيوس وديجينوس تدرس مُعرّبة([31])، بالإضافة إلى اعتناء الطلبة بجملة وافرة من الكتب الطبية مثل "الكامل" للرازي و"القانون" و"الأرجوزة" لابن سينا و"كليات" ابن رشد و"زبدة الطب" للجرجاني و"التذكرة" للسويدي و"مفردات" ابن البيطار"، و"كشف الرموز" لابن حمادوش([32])....
 3 - ودون شك أن للتراث الأندلسي الطبي([33]) أثر فاعل في المعرفة الطبية لدى علماء جامعة القرويين. وفي حضور ابن رشد وابن طفيل وابن باجة وابن الخطيب والشقوري وغيرهم تأثير كبير مما دعم الحركة الطبية المغربية، بالإضافة إلى عدد كبير من المؤلفات الأندلسية التي تناولها العلماء والطلبة بالبحث والتحليل.
ودون أي شك أيضاً أن جامعة القرويين - بعد انهيار الأندلس - أصبحت الراعية للتراث الأندلسي والمحافظة على إشعاعه واستمراره، وكان تداول أغلب مؤلفاته الطبية بها مجالاً للبحث والدرس والتعليق.
 4 - كما عرفت جامعة القرويين بكثرة التآليف الطبية وأسهمت بذلك بحظ وفير في تطوير المعرفة الطبية، وذلك من خلال تذييل العلماء "لأرجوزة" ابن سينا كابن عزرون ومحمد بن قاسم بن زاكور وادراق([34])...، وكذا من خلال نقد كتابي الأنطاكي: "تذكرة أولي الألباب" و"الجامع للعجب العجاب"، و"النّزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة"، كما في كتابات القادري والكردودي وعبد السلام العلمي.. وللعلماء في ذلك مظاهر التجديد بفضل منهج المتابعة والملاحظة والتجربة مثلما أشار إلى ذلك (رينو) و(لوكلير) في أبحاثهما([35]).
ومن الآثار الطبية الجلي لعلماء القرويين التي شُهد لها بالدقة والخبرة نذكر: أراجيز عبد الرحمن الفاسي([36]) وعبد الرحمن بن محمد العربي([37]) وعبد القادر بن شقرون([38])... ومؤلفات ابن القاسم الغساني([39]) وأبي الفضل العجلاني([40]) وعبد السلام العلمي([41]) وغيرهم ممن لا يسع ذكرهم في هذا المقام.
  5 -ومن ثَمّ غدت هذه المؤلفات وغيرها مرجعاً هاماً لدى الكثير من العلماء الأطباء بالمغرب كابن عزوز المراكشي في مؤلفه "ذهاب الكسوف ونفي الظلمات في علم الطب والطبائع والحكمة"([42]). وقد استنتج (لوكلير) من نقول هذا المؤلف وجود مصنفات عديدة في الطب العربي بالمغرب، ولقيمته العلمية عمد إلى ترجمته إلى اللغة الفرنسية([43]).
6 -  وقد حفلت خزانة جامعة القرويين بالعديد من المصادر والمراجع التي كانت أساساً للمعرفة الطبية لدى العلماء والطلبة الذين انصرفت اهتماماتهم إلى متابعة ما ألف في التراث الطبِّي يونية وعربية ومغربية([44])، سعياً إلى المعرفة الإسلامية الشاملة التي تجمع بين علمي الأديان والأبدان.
 7 - إن عطاء التدريس الطبّي بجامعة القرويين وإن لم نحدد معطياته العلمية التي سبق إليها قبل علم الطب الحديث([45])، فإن حضوره واستمراره بها حتى نهاية القرن التاسع عشر مكن المغرب من إسهام جدير بالاعتبار في وضع أسس لبناء مجتمع متحضر مما حقق بعض مجالات الأمن الصحي..
وإذا كان تاريخ الطب بجامعة القرويين خاصة وبالمغرب عامة قد تأثر بظروف الرخاء والاضطراب.. وإذا كان قد تقلصت معامله بدخول الطب الأوربي فإنه كان حريصاً على التواصل مع المشرق والغرب من خلال بعض البعثات([46]).. ومن ثَمّ فإن لقيمته العلمية ما يجعله تراثاً ثميناً يعد لبنة أساسية من مقومات الحضارة الإنسانية([47]).
وإذا كنا قد بسطنا جملة من معالم الرياضيات والطب.. فإننا لم نرم إلا التذكير بمدى إسهام جامعة القرويين في العلوم التطبيقية التي عرف ماضيها مجداً.. ما أحوجنا إليه اليوم إلى أن نجعله مستقبلاً مأمولاً، ما دامت جامعة القرويين «قد حفظت تراث العربية والإسلام في العصور الوسطى وتلقت الأمانة من الأندلس، ثم لم تلبث أن ردتها للحضارة الإنسانية قوية مزيدة»([48]).
---------------------------------------
 ([1])      سامي خلف حمارنة، «مصاعب نقل وحفظ التراث العلمي العربي»، مجلة أوراق، عدد 3، 1980، ص. 31؛ راجع: أرجوزة الفواكه الصيفية والخريفية لعلي بن إبراهيم الأندلسي المراكشي، تحقيق ودراسة عبد الله بنصر العلوي، ضمن أعمال الندوة العالمية السادسة لتاريخ العلوم عند العرب، رأس الخيمة، 1996، نشرها المجمع الثقافي، أبو ظبي، 2000.
([2])      جامعة القرويين في ذكراها المائة بعد الألف، المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية، إدارة الشؤون الثقافية، جمع وتنسيق: عبد الهادي التازي، الكاتب العام لمهرجان عيد القرويين، مطبعة فضالة، المحمدية، د.ت، ص. 83.
([3])      محمد منفعة، التعليم بمدينة فاس في عهد السلطان سليمان، ندوة الحركة العلمية في عهد الدولة العلوية إلى أواخر القرن 19، منشورات كلية الآداب، وجدة، ص. 63.
([4])      نقلاً عن جامعة القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس، عبد الهادي التازي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط. 1، 1972، م 3، ص. 726.
([5])     نذكر من بينها مما رجعنا إليه: "فهرس المنجور"؛ "فهرس ابن غازي"؛ "اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر" لأبي سالم العياشي.
([6])     من الإجازات الطبية التي وصلتنا: إجازة الطبيب محمد بن الحاج محمد الكحاك، من مراجع الموضوع: المعرفة الطبية التقليدية بجامعة القرويين؛ عبد الوهاب التازي سعود، جامعة القرويين وآفاق إشعاعها الديني والثقافي، ندوة تكريمية لعميدها عبد الوهاب التازي سعود، بيت آل محمد الحبابي، مطبعة فضالة، 1996.
([7])       راجع حول العمل الفاسي.
([8])       راجع تراجم هؤلاء العلماء من "جامع القرويين"، مصدر سابق، ج 1، ص. 179؛ ج 2، ص. 481، 486؛ ج 3، ص. 502، 509، 790، 792، 794؛ راجع في الموضوع: عبد العزيز بنعبد الله، «معجم الرياضيات بالمغرب الأقصى»، مجلة اللسان العربي، عدد 3، غشت 1965، صص. 134-142.
([9])       عبد الجواد السقاط، «الأرجوزة في الأدب المغربي»، مجلة المناهل، عدد 35، دجنبر، 1986، ص. 302.
([10])      عبد العزيز بنعبد الله، «الفكر العلمي ومنهجية البحث عند علماء المغرب»، مجلة المناهل، عدد 11، مارس، 1978، ص. 131.
([11])      راجع كتابه: تلقيح الأفكار في العمل برسوم الغبار، مخطوط، خ. ع، 222 ك، نقلاً عن ذكريات مشاهير رجال المغرب، ابن الياسمين، عبد الله ﮔﻨﻮن، الكتاب اللبناني، بيروت، د.ت، ص. 23.
([12])      محمد السراج، «الطابع العربي في الأرقام الرياضية»، مجلة اللسان العربي، عدد 3، ص. 64، 70.
([13])      راجع في الموضوع: محمد المنوني، «نشاط الدراسات الرياضية في مغرب العصر الوسيط الرابع»، مجلة المناهل، عدد 33، دجنبر، 1985، ص. 91.
([14])      راجع في الموضوع: يوسف فرفور، ظاهرة الشروحات الرياضية في القرن الرابع عشر الميلادي بالغرب الإسلامي ونتائجها، الندوة العالمية السادسة لتاريخ العلوم عند العرب، رأس الخيمة، 1996.
([15])      نشاط الدراسات الرياضية، مرجع سابق، ص. 91، وقام بذلك أيضاً منذ نحو قرن: م. السويسي، حيث حققه وعلق عليه وترجمه إلى الفرنسية، منشورات الجامعة التونسية، تونس، 1969.
([16])      راجع في الموضوع: أحمد سليم سعيدان، إقليدس في أيد عربية، دار البشير للنشر، عمان، 1991.
([17])      جامع القرويين، مرجع سابق، هامش 87 من ج 3، ص. 752.
([18])      نشاط الدراسات الرياضية، مرجع سابق، ص. 101.
([19])      محمد المنوني، «أساتذة الهندسة ومؤلفوها في المغرب السعدي»، مجلة دعوة الحق، عدد 2، س 9، ديسمبر، 1965، ص. 101.
([20])      جامع القرويين، مرجع سابق، ص. 730.
([21])      عبد الهادي التازي، «صورة الفارابي في المغرب»، مجلة دعوة الحق، عدد 9، س 18، أكتوبر، 1977، صص. 92-101.
([22])      جامع القرويين، مرجع سابق، ج 3، ص. 794.
([23])      راجع مؤلفاته في: رضوان بن شقرون، «مؤلفات ابن البناء المراكشي وطريقته في الكتابة»، مجلة المناهل، عدد 33، دجنبر، 1985، صص. 215-223.
([24])      المرجع نفسه، ص. 216.
([25])      راجع جامعة القرويين، مصدر سابق، ج 2، ص. 481، 483-484، 488، 495؛ ج 3، ص. 795، 415-816.
([26])      عبد العزيز بنعبد الله، «تعليم الطب بالمغرب والعالم الإسلامي»، مجلة أكاديمية المملكة المغربية، عدد 15، دجنبر، 1988، ص. 25.
([27])      L. Leclerc, L’histoire de la médecine arabe، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 1980؛ وانظر، المرجع نفسه، ص. 31.
([28])      إشارة وردت في "شهيرات المغرب"، لمحمد الكانوني العبدي، نقلاً عن فن الإنسان بالمغرب؛ انظر المرجع السابق، ص. 31؛ وعبد العزيز بنعبد الله، الطب والأطباء بالمغرب، المطبعة الاقتصادية، د.ت، 1958، ص. 15.
([29])      الطب والأطباء، المرجع نفسه، ص. 57.
([30])      راجع تراجمهم في "جامع القرويين"، مرجع سابق، ج 3، ص. 501، 514، 520، 816، 790، 800، 802.
([31])      كما أكد ذلك رينو.. نقلاً عن الطب والأطباء، ص. 46.
([32])      كما أشار إلى ذلك G. Delphin, Fas, son université et l’enseignement supérieur musulman, Paris, 1889؛ نقلاً عن «الطب الإسلامي والعلم الحديث»، عبد العزيز بنعبد الله، مجلة المناهل، عدد 33، دجنبر 1985، ص. 69.
([33])      راجع في الموضوع: الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية، دراسة ونصوص وتراجم، تأليف وتحقيق محمد العربي الخطابي، دار الغرب الإسلامي، ط. 1، 1988 (جزآن).
([34])      الطب والأطباء بالمغرب، مصدر سابق، ص. 58، 82، 84.
([35])      المرجع نفسه، صص. 69 و85 و86؛ H.PT. Renaud، الصحة والطب بالمغرب، الجزائر، 1902؛ الطب القديم بالمغرب (نشرة معهد الدروس العليا)، عدد 1؛ L. Leclerc، تاريخ الطب العربي، مرجع سابق.
([36])      الأقنوم في مبادئ العلوم، مخطوط الخزانة العامة.
([37])      ضمن مجموع  مخطوط الخزانة العامة، 2057 د، صص. 156-175.
([38])      الطب العربي في القرن الثامن عشر من خلال الأرجوزة الشقرونية، تحقيق وتعليق بدر التازي، تعريب وتقديم عبد الهادي التازي، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1404 ﻫ/ 1984 م.
([39])      حديقة الأزهار في ماهية العشب والعقار، حققه وعلق حواشيه ووضع فهارسه محمد العربي الخطابي، دار الغرب الإسلامي، 1405 ﻫ/ 1985 م.
([40])      من مؤلفاته: نزهة الأريب عند من لا يحضره الطبيب.
([41])      راجع من مؤلفاته: ضياء النبراس في حل مفردات الأنطاكي بلغة أهل فاس، المطبعة الحجرية، فاس، 1900.
([42])      مخطوط الخزانة العامة، 1133 د.
([43])      نقلاً عن الطب والأطباء، مصدر سابق، ص. 91.
([44])      راجع لائحة المخطوطات الطبية بالمغرب ضمن كتاب الطب والأطباء، مصدر سابق، صص. 95-193؛ وما يخص خزانة القرويين، صص. 96-97.
([45])      المصدر نفسه، ص. 86.
([46])      المصدر نفسه.
([47])      المصدر نفسه، ص. 94.
([48])      أنور الجندي، أثر القرويين في حماية اللغة العربية، جامعة القرويين في ذكراها المائة بعد الألف، مرجع سابق، ص. 213.
 أنظر مجلة التاريخ العربي، عدد 55، 2009. 


                                                    الدكتور عبد الله بنصر العلوي- فاس

نطمح في أن يكون هذا الموضوع (جامعة القرويين في أفق القرن الحادي والعشرين) مشروع بحث يرمي إلى تحقيق الأهداف الآتية، وهي: 

1 – إسهام جامعة القرويين في العلوم التطبيقية ونعني بها ما يتعلق بالطب والفلك والرياضيات والهندسة...

2 -  إغناء تاريخ جامعة القرويين بكون علومها لم تكن تنحصر في الفقهيات فحسب، ولكنها كانت تتجاوزها إلى العلوم البحث سعياً إلى المعرفة الكلية الشاملة.

3 - تطوير منهجية البحث لما أنجزه ثلة من العلماء والدارسين ونخص منهم بالذكر الأساتذة عبد الهادي التازي وعبد العزيز بنعبد الله ومحمد المنوني، بالإضافة إلى الدكتورين: رينو ولوكلير... وغيرهم ممن درسوا العطاء العلمي لجامعة القرويين.

4 - لَمّ شتات الإشارات المتفرق في كتب الباحثين عرباً ومستشرقين وأجانب التي تخص القرويين في مدى إسهامها في مناهج التفكير في مجالات الرياضيات والطب. 

5 - الاطلاع على معارف علماء القرويين وتطلعاتهم إلى الدرس العلمي الصرف. 

6 - الحرص على المنهجية العلمية للثقافة الإسلامية التي تنطلق من روح الرياضيات أساس العلوم نظرية كانت أم تجريبية. 

 7 - إشعاع علوم القرويين في العالمين الإسلامي والأوربي المسيحي.

 8 - البحث والتنقيب عن مجالات الإنجاز والتطبيق فيما يتعلق أساساً بالتجارب العلمية التي تمت في أحضان جامعة القرويين. 

 9 - جمع ونشر المؤلفات المخطوطة التي كتبها علماء القرويين في العلوم التطبيقية.إذا كان ماضي التراث العلمي العربي قد غمره بخبرته وتجربته فإن الحاضر يسعى إلى حفظه وتطويره حتى لا يندثر، مما يجب - كما يقول أحد الباحثين - «درسه والإخلاص في تقييمه لأنه صورة من الماضي وذخر الأجداد وبعض ما خلفوه للأجيال، وهو ما بقي لنا لنحكم به ونستنتج منه ونبني عليه. ومنه نستجلي فكرة واضحة تكشف عن غنى حضارة سلفت وقدر أهلها العلم والعلماء... ومما لا شك فيه أن التقييم والبحوث الجدية والإيجابية في هذا التراث لابد وأن تدر علينا ربحاً علمياً روحياً كبيراً أو تعطينا حصاداً وفيراً، فعلينا ألا نضيع الوقت وألا نهمل الواجب، بل نهبّ لإحياء تراث عريق لحضارة أذهلت عقول المنصفين وحيرت بروعتها أفكار المتقدمين»([1]).

لقد وجد هذا التراث العلمي الإسلامي في جامعة القرويين منذ إنشائها مجالات خصبة بما لها من حضور وفعالية؛ باعتبار طبيعة شخصية علمائها وقدرتهم على المشاركة العلمية؛ إذ المعرفة الشاملة للعلوم الإلهية والطبيعية والرياضية تشكل جوهر العلوم الإسلامية. وفي ذلك كان العطاء المميز للعالم الإسلامي الذي جمع بين كل مجالات المعرفة. وقد حفل التاريخ الإسلامي بعلماء أفذاذ كانوا مثالاً وقدوة لتمثل إسلامية المعرفة... ألم يكن الرازي والفارابي وابن سينا وابن طفيل وابن رشد وغيرهم كثير، نموذجاً لهذه المشاركة التي تصل إلى حد الحذق والمهارة في جل العلوم.. بل والتأليف في كثير من مجالاتها.ومثل هذا الحضور المعرفي كان سلوكاً عاماً وفعالاً في جامع القرويين. ولئن غلب التأليف في الإلهيات بما لها من فروع: سيرة وفقه وتفسير وبلاغة ونحو... فإن للعلوم الطبيعية والرياضية حضوراً على جانب من الأهمية ما دام العلم والدين يشكلان خشبة النجاة، فلابد - حسب تعبير أحدهم - من أن "يتعلم" الدين وأن "يتدين" العلم([2]).

وجدير بالذكر أن مفهوم الدين يعني التشبث بالعقيدة ديناً ومعاملة، وكذا إلى تدبير أمور الإنسان روحاً وجسداً.وعندما نتأمل ما درس في جامعة القرويين من علوم نجد الكثير منها يتعلق بمجالات المعرفة والفكر والفنون. فبالإضافة إلى التفسير والحديث والفقه والسيرة والنحو والبلاغة واللغة والتصوف والطب والصيدلة نجد على نحو ما يذكره شاهد عيان وهو الإمام المجاهد ابن السنوسي (ت. 1276 ﻫ) الذي ورد على جامعة القرويين لأخذ العلم عن رجالها على عهد السلطان المولى سليمان([3]).

فعدد من علومها: علم الفرائض والحساب والأسطرلابين وصناعتها والرياضيات والهندسة والهيئة والطبيعة والأرثماطيقي وأصول قواعد الموسيقى والمساحة والتعديل والتقويم وعلم الأحكام والينس والوقف والقواعد الجفرية وأصول الزيرجية والبسط والتكسير والجير والمقابلة، وغيرها([4]).وتبدو أهمية هذه الإشارة إلى تلك الأصناف المعرفية بكل تداخلها وتكاملها في كونها تجاذبت التأثر والتأثير لدى العالم المشارك المنتمي لجامعة القرويين. ومن ثَمّ كان التكوين العلمي ضرورة ملحة وجد فيها بعض العلماء بعد مرحلة الطلب العام نوعاً من التخصص برعوا في مجاله ودرسوا علومه.. بل ألفوا فيه. وتطول لائحة علماء القرويين لو أردنا تعداد أسمائهم، وسنشير إلى بعضهم لاحقاً ممن لهم الصدارة في بعض العلوم التي سنقف عندها.غير أن الباحث في واقع هذه العلوم الطبيعية والرياضية في جامعة القرويين يواجه عدة إشكاليات:

 1 - إن الإشارات إلى هذه العلوم - باعتبارها علوماً تطبيقية - متفرقة في عدة مصادر في كتب التراجم خاصة، مما يحتاج إلى تكشيفها لجمع المادة وتمحيصها. 

 2 - إن غياب الإشارات إلى العلوم التطبيقية في فهارس علماء القرويين([5]) مما لو توفر لأعطى صوراً شاهدة على حضور هذه العلوم في كيفية أدائها ووسائل تقديمها وأصناف مصادرها وأسماء شيوخها وطرق أسانيدها.

 3 - قلة الإجازات العلمية ([6]) التي من شأنها أن تبسط العلم وقيمته وأن تعرف بصاحب الإجاة وبإذن شيوخه في مزاولة العلم، وكذا بالتزامه بالشروط الخلقية والعلمية في تدريسه وممارسته لتخصصه. 

 4 - مدى قيام العلماء بممارسة تطبيقية لبعض هذه العلوم والتساؤل عن وسائل الإيضاح في تدريس بعضها.

 5 - وجود عدة مدارس في مدينة فاس يفرض التساؤل عن علاقاتها بجامعة القرويين من حيث تخصصها في مادة معينة وفي مدى استقلالها عنها أو تبعيتها لها.

 6 - لم تكن جامعة القرويين تكتفي في مناهجها بما هو نظري في العلوم التطبيقية، وأن ما هو تطبيقي كان يتم خارجها في مراكز أخرى كالمدارس أو المارستانات وغيرها، رغم إشراف أوقاف القرويين عليها، مما يجعل الأمر هنا يحتاج إلى تتبع واقع العلوم في سياقها النظري والتطبيقي.. في إطار منهجها وإنجازها وتقييمها.

 7 -  إذا كانت جامعة القرويين قد أثمر فيها الفقه وتميز بخصوصية نلمس معالمها في العمل الفاسي([7])، فهل لمجالات العلوم التطبيقية ومنها علوم الفلك والرياضيات والطب خاصة من تميز في عطائها؟ !

 8 - التوجه المعرفي الذي يمارسه العالم بمحض إرادته ويسعى إلى التثقيف فيه في إطار اهتماماته الخاصة... ما يجعل الباحث يتساءل عن هذه المعرفة في تلقيها داخل جامعة القرويين أو في متابعتها خارجها.
 هذه جملة من الإشكاليات التي يواجهها هذا البحث، وهي مما يعترض الباحثين أيضاً، ونأمل أن تسهم خلية بحث مقترحة في إيجاد إجابات ودراسات تعمق الموضوع وتنقب عن الدفين.ومن الصعب علينا أن نقارب كل مجالات هذه العلوم التطبيقية لأمر أساسي يتمثل في أن طاقة استيعاب هذه العلوم وتاريخها تفرض المتخصص أو المهتم في أحد المجالات. ولا يتم ذلك إلا بشرط إلمامه بالتراث العلمي العربي والإسلامي عامة والمغربي خاصة، غير أنا قد نلمس لأنفسنا العذر في مقاربة الموضوع من وجهة تاريخية، نظراً لاهتمامنا بجوانب المعرفة والإبداع النيرة في تراثنا المغربي، إذ أن الاطلاع على تراث أجدادنا من علماء القرويين حافل بالمعطيات الفعالة التي تكسب الشخصية العالمة مكوناتها الأساسية.وحسبنا في هذه المقاربة أن نرمي إلى:
 1 - التذكير بجملة وافرة من أعلام العلماء الذين اشتغلوا بالعلوم التطبيقية والذين كونتهم جامعة القرويين.

 2 - التعرف إلى عدد من المصادر العلمية التي دُرِّست في جامعة القرويين.

 3 - إسهام علماء القرويين في التأليف العلمي وما حققوه من خصوبة المعرفة ومن معطيات في البحث.

 4 - تحديد بعض المعالم النيرة والهامة في إنجاز جامعة القرويين في مجالي الرياضيات والطب.فالرياضيات تعد بمختلف فروعها نهجاً تعليمياً يكسب طالب العلم المبادئ الأساسية لتلقي المعرفة؛ إذ بمنطقها ونتائجها علمت أسس التفكير السليم ودقة التأمل والاستنتاج. ونشير في هذا الصدد إلى بعض أعلام العلماء الذين نفقت سوقهم في فروع الرياضيات منهم: ابن الياسمين وابن الحباك والصديني والجادري وابن البناء العددي وابن الحاج المهندس والقلصادي وأبو القاسم الفشتالي وعبد الوهاب الفاسي وابن سليمان الروداني([8]).

ومن آثار هذه الحركة العلمية في فروع الرياضيات المعالم الآتية: 

1 - لقد حظي حساب الفرائض والتوقيت باهتمام بالغ في جامعة القرويين مما يعكس وحدة العلوم العقلية من رياضية وتجريبية ولسانية([9]) لما فيها من خدمة الفكر الديني([10]). 

2 - شيوع الأرقام الغبارية التي أقرها علماء القرويين علامات للأعداد في أوربا والتي نقله إليها في القرن العاشر الميلادي البابا سلفستر الثاني الذي يدرس بطليطلة وفاس وأطلق عليها الأرقام العربية؛ باعتبار رقم الغبار - كما يقول ابن الياسمين -: «... من أقصر أنواع الحساب وأفيدها وأوضحها بجودة بيانه وبلوج برهانه»([11]). ودون شك أن نهضة أوربا العلمية قامت على أساس أرقام الغبار المغربية إذ لم تكن للإغريق طريقة منظمة لكتابة الأعداد كما لم تكن للرومان عمليات دقيقة في الحساب([12]).

 3 - إشعاع المعرفة الرياضية التي عرفتها جامعة القرويين في الأقطار العربية الأخرى، من ذلك تدريس بعض المؤلفات المغربية في تونس حيث نجد من بين مقروءات الرصاع كتاب "تلخيص أعمال الحساب" لابن البنا، وفي مصر حيث نجد من محفوظات أبي بكر الأنصاري "منية الحساب" لابن غازي([13]).

كما نشير في هذا الصدد إلى أن ابن قنفذ القسنطيني الذي تكون في الرياضيات بجامعة القرويين كان محور إنتاجه الرياضي يدور حول المؤلفات المغربية لابن الياسمين وابن البنا شرحاً وتعقيباً([14]).

ولعل في تتبع هذا الإشعاع ما يعكس القيمة العلمية التي حظيت بها الكتب التعليمية التي عرفتها جامعة القرويين.

4 -  اهتمام المستشرقين ببعض المؤلفات الرياضية على نحو ما اهتم به المستشرق الفرنسي (أريستيدمار) الذي نشر في روما "تلخيص أعمال الحساب" لابن البنا نصاً عربياً وترجمة فرنسية سنة 1885 م([15]).
5 -  دراسة المصادر الكبرى في تاريخ الرياضيات، ومن بينها "كتاب الأصول" لأقليدس و"كتاب المجسطي" لبطليموس، وقد نال الأول اهتماماً كبيراً لدى علماء القرويين إلى وقت  قريب([16])، وفي طبعه بالمطبعة الحجرية عام 1293 ﻫ بإشراف الشيخ الطالع البلغيثي([17]) عمل عملي جدير بالاهتمام يدل على تواصل معرفي بالشرح والتحليل والتقويم والتعقيب لأقدم المؤلفات الرياضية، وممن أقرأه بجامعة القرويين العلواني([18]) ومحمد بن القاضي([19]).

ومثل هذا الاهتمام كان نادراً في عصر النهضة بأوربا([20]).أما الكتاب الثاني فإن وجوده بشرح الفارابي في جامعة القرويين يعد أثراً علمياً هاماً بما أولى له من عناية في البحث والتمحيص وفي الشرح والتعليق لدى علماء الفلك بهذه الجامعة([21]) وممن أقرأه بها ابن سليمان الروداني([22]). 

6 - ومن العلماء النوابغ الذين عرفتهم جامعة القرويين ابن البناء الذي يحتل مكانة مرموقة في الرياضيات، فبفضل تآليفه الغزيرة وآثاره الجلي في الدرس الرياضي([23]) كان له صيت ذائع في العالم إذ شاعت مؤلفاته وتنوقلت علومه. وهذا ما يجعل شهرة ابن البناء مدينة إلى المضمون العلمي لعلوم العدد التطبيقية التي ضمنها كتابه "تلخيص أعمال الحساب"([24]). 

7 - وبفضل ازدهار العلوم الرياضية بجامعة القرويين كانت جملة من الاختراعات قد استثمرت هذا الازدهار:
فابن الحباك أنشأ الساعة المائية الأولى بمنار جامع القرويين.

وابن الحاج استعين به لصنع ناعورتين مائيتين.والصديني رسم خطوط الساعة المائية.

وابن العربي جدد المنجانة بالغريفة وزودها بساعات رملية.واللجائي اخترع أسطرلاباً ملصوقاً بجدار والماء يدير شبكته على الصحيفة.والروداني اخترع كرة مستديرة سطر عليها دوائر ورسوماً وقد ركبت عليها أخرى مجوفة منقسمة إلى نصفين فيها تخاريم وتجاويف.وابن شهبون صنف كتاباً في الجغرافيا اشتمل على عدة صور وخرائط وبه صورة للأرض وأخرى للقمر.وعبد السلام العلمي اخترع الآلة ذات الشعاع والظل([25]).

أما الطب فقد حظي بقسط وافر من اهتمام جامعة القرويين بالعلوم التطبيقية باعتبار أن للطب نوعاً من القداسة جعلت منه طرفاً من العلوم الإسلامية([26]). وقد لقي الطب انتشاراً واسعاً في أرجاء العالم الإسلامي وكثرت فيه المدارس والمؤلفات وشاعت فيه التجارب والخبرات حتى أضحت المعرفة الطبية لدى سائر العلماء ضرورية ما دام "علم الأبدان مقدم على علم الأديان".وإسهام جامعة القرويين في الطب إسهام وفير أتاح للثقافة المغربية ممارسات عملية وعلمية ضمنت حضوراً مزدهراً منذ وقت مبكر بدءً من القرن العاشر الميلادي/ الرابع الهجري. وقد لاحظ (لوكلير) في هذا الصدد أن المغرب ولعله يقصد الغرب الإسلامي أشد بلاد الإسلام عمقاً من الناحية العلمية([27]).

ومما هو جدير بالذكر أننا نجد بعض المراجع الهامة([28]) في الموضوع تردد وجود مدرسة طبية بفاس في الفترة المشار إليها، مما يلزم الباحث توخي التنقيب والدرس، فما هي معالم هذه المدرسة؟ وما مدى اعتمادها على تطبيق معرفتها سواء داخل القرويين أو خارجها في المدارس التابعة لها أو لأوقافها؟.

ولما كانت المعرفة الطبية شائعة لدى جل علماء القرويين فإنه يمكننا الإشارة إلى بعضهم ممن اهتموا بالطب تدريساً وشرحاً وترجمة وتأليفاً: كعبد الرحمن سقين([29]) وأبي الحسن بن الهيدور والحسن المسفيوي وأبي القاسم الغساني وعبد السلام العلمي وأبي القاسم الفشتالي وعبد القادر بن شقرون وعبد الوهاب ادراق وغيرهم([30]).
ويمكن تسجيل بعض المعالم في الموضوع:

1 -  إن الطب كان يدرس فعلاً في جامعة القرويين ولم يكن مجرد اهتمام معرفي من لدن علمائها بواسطة جملة من المصادر اليونانية والعربية والمغربية، وهو تدريس كان يعتمد على الجانب النظري في الغالب، وكان يترك للطالب نفسه التردد على العشابين ومصاحبة الأطباء، مع العلم أن الكتب الطبية المدروسة كانت تشخص العلل وتصف الأمراض وتدل على وسائل العلاج. 

2 - وقد تعددت مصادر المعرفة الطبية في أصولها في جامعة القرويين فكانت كتب أبقراط وجالنيوس وديجينوس تدرس مُعرّبة([31])، بالإضافة إلى اعتناء الطلبة بجملة وافرة من الكتب الطبية مثل "الكامل" للرازي و"القانون" و"الأرجوزة" لابن سينا و"كليات" ابن رشد و"زبدة الطب" للجرجاني و"التذكرة" للسويدي و"مفردات" ابن البيطار"، و"كشف الرموز" لابن حمادوش([32]).... 

3 - ودون شك أن للتراث الأندلسي الطبي([33]) أثر فاعل في المعرفة الطبية لدى علماء جامعة القرويين. وفي حضور ابن رشد وابن طفيل وابن باجة وابن الخطيب والشقوري وغيرهم تأثير كبير مما دعم الحركة الطبية المغربية، بالإضافة إلى عدد كبير من المؤلفات الأندلسية التي تناولها العلماء والطلبة بالبحث والتحليل.ودون أي شك أيضاً أن جامعة القرويين - بعد انهيار الأندلس - أصبحت الراعية للتراث الأندلسي والمحافظة على إشعاعه واستمراره، وكان تداول أغلب مؤلفاته الطبية بها مجالاً للبحث والدرس والتعليق.
 4 - كما عرفت جامعة القرويين بكثرة التآليف الطبية وأسهمت بذلك بحظ وفير في تطوير المعرفة الطبية، وذلك من خلال تذييل العلماء "لأرجوزة" ابن سينا كابن عزرون ومحمد بن قاسم بن زاكور وادراق([34])...، وكذا من خلال نقد كتابي الأنطاكي: "تذكرة أولي الألباب" و"الجامع للعجب العجاب"، و"النّزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة"، كما في كتابات القادري والكردودي وعبد السلام العلمي.. وللعلماء في ذلك مظاهر التجديد بفضل منهج المتابعة والملاحظة والتجربة مثلما أشار إلى ذلك (رينو) و(لوكلير) في أبحاثهما([35]).

ومن الآثار الطبية الجلي لعلماء القرويين التي شُهد لها بالدقة والخبرة نذكر: أراجيز عبد الرحمن الفاسي([36]) وعبد الرحمن بن محمد العربي([37]) وعبد القادر بن شقرون([38])... ومؤلفات ابن القاسم الغساني([39]) وأبي الفضل العجلاني([40]) وعبد السلام العلمي([41]) وغيرهم ممن لا يسع ذكرهم في هذا المقام. 

5 -ومن ثَمّ غدت هذه المؤلفات وغيرها مرجعاً هاماً لدى الكثير من العلماء الأطباء بالمغرب كابن عزوز المراكشي في مؤلفه "ذهاب الكسوف ونفي الظلمات في علم الطب والطبائع والحكمة"([42]). وقد استنتج (لوكلير) من نقول هذا المؤلف وجود مصنفات عديدة في الطب العربي بالمغرب، ولقيمته العلمية عمد إلى ترجمته إلى اللغة الفرنسية([43]).

6 -  وقد حفلت خزانة جامعة القرويين بالعديد من المصادر والمراجع التي كانت أساساً للمعرفة الطبية لدى العلماء والطلبة الذين انصرفت اهتماماتهم إلى متابعة ما ألف في التراث الطبِّي يونية وعربية ومغربية([44])، سعياً إلى المعرفة الإسلامية الشاملة التي تجمع بين علمي الأديان والأبدان. 7 - إن عطاء التدريس الطبّي بجامعة القرويين وإن لم نحدد معطياته العلمية التي سبق إليها قبل علم الطب الحديث([45])، فإن حضوره واستمراره بها حتى نهاية القرن التاسع عشر مكن المغرب من إسهام جدير بالاعتبار في وضع أسس لبناء مجتمع متحضر مما حقق بعض مجالات الأمن الصحي..
وإذا كان تاريخ الطب بجامعة القرويين خاصة وبالمغرب عامة قد تأثر بظروف الرخاء والاضطراب.. وإذا كان قد تقلصت معامله بدخول الطب الأوربي فإنه كان حريصاً على التواصل مع المشرق والغرب من خلال بعض البعثات([46]).. ومن ثَمّ فإن لقيمته العلمية ما يجعله تراثاً ثميناً يعد لبنة أساسية من مقومات الحضارة الإنسانية([47]).

وإذا كنا قد بسطنا جملة من معالم الرياضيات والطب.. فإننا لم نرم إلا التذكير بمدى إسهام جامعة القرويين في العلوم التطبيقية التي عرف ماضيها مجداً.. ما أحوجنا إليه اليوم إلى أن نجعله مستقبلاً مأمولاً، ما دامت جامعة القرويين «قد حفظت تراث العربية والإسلام في العصور الوسطى وتلقت الأمانة من الأندلس، ثم لم تلبث أن ردتها للحضارة الإنسانية قوية مزيدة»([48]).

---------------

([1])      سامي خلف حمارنة، «مصاعب نقل وحفظ التراث العلمي العربي»، مجلة أوراق، عدد 3، 1980، ص. 31؛ راجع: أرجوزة الفواكه الصيفية والخريفية لعلي بن إبراهيم الأندلسي المراكشي، تحقيق ودراسة عبد الله بنصر العلوي، ضمن أعمال الندوة العالمية السادسة لتاريخ العلوم عند العرب، رأس الخيمة، 1996، نشرها المجمع الثقافي، أبو ظبي، 2000.
([2])      جامعة القرويين في ذكراها المائة بعد الألف، المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية، إدارة الشؤون الثقافية، جمع وتنسيق: عبد الهادي التازي، الكاتب العام لمهرجان عيد القرويين، مطبعة فضالة، المحمدية، د.ت، ص. 83.
([3])      محمد منفعة، التعليم بمدينة فاس في عهد السلطان سليمان، ندوة الحركة العلمية في عهد الدولة العلوية إلى أواخر القرن 19، منشورات كلية الآداب، وجدة، ص. 63.
([4])      نقلاً عن جامعة القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس، عبد الهادي التازي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط. 1، 1972، م 3، ص. 726.
([5])     نذكر من بينها مما رجعنا إليه: "فهرس المنجور"؛ "فهرس ابن غازي"؛ "اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر" لأبي سالم العياشي.
([6])     من الإجازات الطبية التي وصلتنا: إجازة الطبيب محمد بن الحاج محمد الكحاك، من مراجع الموضوع: المعرفة الطبية التقليدية بجامعة القرويين؛ عبد الوهاب التازي سعود، جامعة القرويين وآفاق إشعاعها الديني والثقافي، ندوة تكريمية لعميدها عبد الوهاب التازي سعود، بيت آل محمد الحبابي، مطبعة فضالة، 1996.
([7])       راجع حول العمل الفاسي.
([8])       راجع تراجم هؤلاء العلماء من "جامع القرويين"، مصدر سابق، ج 1، ص. 179؛ ج 2، ص. 481، 486؛ ج 3، ص. 502، 509، 790، 792، 794؛ راجع في الموضوع: عبد العزيز بنعبد الله، «معجم الرياضيات بالمغرب الأقصى»، مجلة اللسان العربي، عدد 3، غشت 1965، صص. 134-142.
([9])       عبد الجواد السقاط، «الأرجوزة في الأدب المغربي»، مجلة المناهل، عدد 35، دجنبر، 1986، ص. 302.
([10])      عبد العزيز بنعبد الله، «الفكر العلمي ومنهجية البحث عند علماء المغرب»، مجلة المناهل، عدد 11، مارس، 1978، ص. 131.
([11])      راجع كتابه: تلقيح الأفكار في العمل برسوم الغبار، مخطوط، خ. ع، 222 ك، نقلاً عن ذكريات مشاهير رجال المغرب، ابن الياسمين، عبد الله ﮔﻨﻮن، الكتاب اللبناني، بيروت، د.ت، ص. 23.
([12])      محمد السراج، «الطابع العربي في الأرقام الرياضية»، مجلة اللسان العربي، عدد 3، ص. 64، 70.
([13])      راجع في الموضوع: محمد المنوني، «نشاط الدراسات الرياضية في مغرب العصر الوسيط الرابع»، مجلة المناهل، عدد 33، دجنبر، 1985، ص. 91.
([14])      راجع في الموضوع: يوسف فرفور، ظاهرة الشروحات الرياضية في القرن الرابع عشر الميلادي بالغرب الإسلامي ونتائجها، الندوة العالمية السادسة لتاريخ العلوم عند العرب، رأس الخيمة، 1996.
([15])      نشاط الدراسات الرياضية، مرجع سابق، ص. 91، وقام بذلك أيضاً منذ نحو قرن: م. السويسي، حيث حققه وعلق عليه وترجمه إلى الفرنسية، منشورات الجامعة التونسية، تونس، 1969.
([16])      راجع في الموضوع: أحمد سليم سعيدان، إقليدس في أيد عربية، دار البشير للنشر، عمان، 1991.
([17])      جامع القرويين، مرجع سابق، هامش 87 من ج 3، ص. 752.
([18])      نشاط الدراسات الرياضية، مرجع سابق، ص. 101.
([19])      محمد المنوني، «أساتذة الهندسة ومؤلفوها في المغرب السعدي»، مجلة دعوة الحق، عدد 2، س 9، ديسمبر، 1965، ص. 101.
([20])      جامع القرويين، مرجع سابق، ص. 730.
([21])      عبد الهادي التازي، «صورة الفارابي في المغرب»، مجلة دعوة الحق، عدد 9، س 18، أكتوبر، 1977، صص. 92-101.
([22])      جامع القرويين، مرجع سابق، ج 3، ص. 794.
([23])      راجع مؤلفاته في: رضوان بن شقرون، «مؤلفات ابن البناء المراكشي وطريقته في الكتابة»، مجلة المناهل، عدد 33، دجنبر، 1985، صص. 215-223.
([24])      المرجع نفسه، ص. 216.
([25])      راجع جامعة القرويين، مصدر سابق، ج 2، ص. 481، 483-484، 488، 495؛ ج 3، ص. 795، 415-816.
([26])      عبد العزيز بنعبد الله، «تعليم الطب بالمغرب والعالم الإسلامي»، مجلة أكاديمية المملكة المغربية، عدد 15، دجنبر، 1988، ص. 25.
([27])      L. Leclerc, L’histoire de la médecine arabe، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 1980؛ وانظر، المرجع نفسه، ص. 31.
([28])      إشارة وردت في "شهيرات المغرب"، لمحمد الكانوني العبدي، نقلاً عن فن الإنسان بالمغرب؛ انظر المرجع السابق، ص. 31؛ وعبد العزيز بنعبد الله، الطب والأطباء بالمغرب، المطبعة الاقتصادية، د.ت، 1958، ص. 15.
([29])      الطب والأطباء، المرجع نفسه، ص. 57.
([30])      راجع تراجمهم في "جامع القرويين"، مرجع سابق، ج 3، ص. 501، 514، 520، 816، 790، 800، 802.
([31])      كما أكد ذلك رينو.. نقلاً عن الطب والأطباء، ص. 46.
([32])      كما أشار إلى ذلك G. Delphin, Fas, son université et l’enseignement supérieur musulman, Paris, 1889؛ نقلاً عن «الطب الإسلامي والعلم الحديث»، عبد العزيز بنعبد الله، مجلة المناهل، عدد 33، دجنبر 1985، ص. 69.
([33])      راجع في الموضوع: الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية، دراسة ونصوص وتراجم، تأليف وتحقيق محمد العربي الخطابي، دار الغرب الإسلامي، ط. 1، 1988 (جزآن).
([34])      الطب والأطباء بالمغرب، مصدر سابق، ص. 58، 82، 84.
([35])      المرجع نفسه، صص. 69 و85 و86؛ H.PT. Renaud، الصحة والطب بالمغرب، الجزائر، 1902؛ الطب القديم بالمغرب (نشرة معهد الدروس العليا)، عدد 1؛ L. Leclerc، تاريخ الطب العربي، مرجع سابق.
([36])      الأقنوم في مبادئ العلوم، مخطوط الخزانة العامة.
([37])      ضمن مجموع  مخطوط الخزانة العامة، 2057 د، صص. 156-175.
([38])      الطب العربي في القرن الثامن عشر من خلال الأرجوزة الشقرونية، تحقيق وتعليق بدر التازي، تعريب وتقديم عبد الهادي التازي، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1404 ﻫ/ 1984 م.
([39])      حديقة الأزهار في ماهية العشب والعقار، حققه وعلق حواشيه ووضع فهارسه محمد العربي الخطابي، دار الغرب الإسلامي، 1405 ﻫ/ 1985 م.
([40])      من مؤلفاته: نزهة الأريب عند من لا يحضره الطبيب.
([41])      راجع من مؤلفاته: ضياء النبراس في حل مفردات الأنطاكي بلغة أهل فاس، المطبعة الحجرية، فاس، 1900.
([42])      مخطوط الخزانة العامة، 1133 د.
([43])      نقلاً عن الطب والأطباء، مصدر سابق، ص. 91.
([44])      راجع لائحة المخطوطات الطبية بالمغرب ضمن كتاب الطب والأطباء، مصدر سابق، صص. 95-193؛ وما يخص خزانة القرويين، صص. 96-97.
([45])      المصدر نفسه، ص. 86.
([46])      المصدر نفسه.
([47])      المصدر نفسه، ص. 94.
([48])      أنور الجندي، أثر القرويين في حماية اللغة العربية، جامعة القرويين في ذكراها المائة بعد الألف، مرجع سابق، ص. 213. 

أنظر مجلة التاريخ العربي، عدد 55. 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها